ووجه الاستدلال به أن الحديث قد دل على أن القاضي لا يحكم حتى يسمع جواب المدعى عليه، والغائب لا يسمع له جواب [1] ، ويمكن الجواب عن ذلك بأن قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر) مخصوص بحضور الخصمين لقوله صلى الله عليه وسلم في أول الحديث: (إذا تقاضى إليك رجلان) ، فلا يشمل الغائبَ أيضًا [2] ، بل إن مفهوم المخالفة المستفاد من الشرط في قوله: (إذا تقاضى إليك رجلان) يقتضي جواز القضاء للحاضر على الغائب دون السماع منه، إلا أن هذا المفهوم قد يكون مخصوصًا ببعض الصور دون بعض، كالحاضر في البلد الممتنع من الحضور.
وقد يكون المفهوم غير ذلك، وهو أنه إذا مُنع القاضي من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران، ولم يكن سكوت الآخر كافيًا حتى يسمع كلامه، كان المنع من القضاء على الغائب الذي لم يسمع الدعوى أصلًا أولى، وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر وتدحض حجته [3] ، وهذا الوجه من الاستدلال يعزى للخطابي [4] ، وهو وجه مسلّم بصحته، وليس متوقفًا على صحة الحديث، إلا أنه ليس مسلمًا به في كل صورة كان فيها أحد الخصمين غائبًا، لأن الحاضر في البلد الذي لم يعلم أصلًا بالدعوى ليس كالممتنع من الحضور بعد إعلامه، ولذلك وقع الاتفاق كما يعلم من كلام أهل العلم على المنع من الحكم في الصورة الأولى دون الثانية [5] ، وكذا فإن الغائب غيبة لا يشق معها الحضور ليس كالغائب غيبة بعيدة يشق معها ذلك أو يتعذر، وعليه فليس المنع من الحكم في الصورتين الأخيرتين بأولى من المنع منه في حالة حضور الخصمين، لأنه قد يترتب على المنع في تينك الصورتين ضياع للحقوق، ولذلك وقع الخلاف فيهما بين أهل العلم، ومما يدل على ما ذكرت
(1) انظر سبل السلام (4/ 121) .
(2) انظر المحلى (9/ 368) ، والمغني (10/ 138) ، سبل السلام (4/ 121) .
(3) انظر تحفة الأحوذي (4/ 467) .
(4) انظر المصدر السابق (4/ 468) .
(5) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (12/ 8) .