الصفحة 15 من 39

متناسقة غير متناقضة، مثالُ ذلك ما روي عن سعيد بن جبير قال: قال رجلٌ لابن عباسٍ: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ فقد قال الله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) [1] ، وقال الله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [2] وقال الله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [3] وقال الله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [4] فقد كتموا في هذه الآية ... فأجابه ابن عباسٍ بقوله: قوله: (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) في النفخة الأولى، وقوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُون) في النفخة الثانية. وإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، عند ذلك يقول المشركون: تعالوا نقول: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيختم الله على أفواههم وتنطق أيديهم، عند ذلك يعرفون أن الله لا يكتم حديثًا [5] .

وهذه لبنات أخرى يقتضيها واقع الصحابة وهي مرحلة ثانية بعد عهد النبوة وقد سارت على هدي النبوة إلا أن الحاجة إليها ازدادت عمَّا كانت عليه زمن نزول القرآن على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لم تكن هذه البدايات تأخذ صورة التفسير الموضوعي من حيث التقعيد والتأصيل كما هو عليه الآن.

-ثم بدأ علماء التفسير بخطوةٍ أكثر تقدمًا إلى مفهوم هذا اللون من التفسير حيث قاموا بجمع الآيات القرآنية التي تتدرج تحت مبحث من مباحث علوم القرآن وصنفوا فيها كتبًا مستقلة بهذه المباحث القرآنية، مثالُ ذلك ما فعله القاسم بن سلاّم - أبو عبيد - حيث ألَّف كتابًا في"الناسخ والمنسوخ"، وألّف يحيى بن سلام البصري كتابًا في"الأشباه والنظائر"وكان ذلك في بداية القرن الثالث الهجري، وفي القرن الخامس ألَّف الماوردي كتابًا في"أمثال القرآن"، وفي القرن السابع ألَّف العزُ بن عبد السلام كتابًا في"مجاز القرآن"، وفي القرن الثامن ألَّف ابن القيِّم كتابًا في"أقسام القرآن".

(1) سورة المؤمنون: الآية 101.

(2) سورة الصافات: الآية 50.

(3) سورة النساء: الآية 42.

(4) سورة الأنعام: الآية 23.

(5) رواه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - حم السجدة - مصدر سابق - ج 6 - ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت