مر التفسير الموضوعي بمراحل متعددة وكان يأخذ أنماطًا وأحوالًا متباينة حسب المراحل التي تدرج فيها، وكانت أحوال المسلمين عبر هذه المراحل، ومدى حاجتهم إلى هذا اللون من التفسير تلعب دورًا هامًا في بروز هذا التفسير بحيث انتهى في آخر مراحله
علمًا له أصوله وقواعده ونظريته التي ينطلق منها ويعتمد عليها.
فأوَّلُ مراحل هذا اللون من التفسير بدأت منذ عهد النبوة حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسر بعض الآيات فيما يتعلق بالموضوع الواحد، مما يؤكد ذلك ما رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ... َ) [1] شق ذلك على أصحاب رسول الله فقالوا: يا رسول الله وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [2] إنما هو الشرك [3] . إذن المراد بالظلم في آية سورة الأنعام هو الشرك كما وضحت ذلك آية سورة لقمان.
بهذا ندرك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جمع بين آيتين في موضوع واحد، وغير ذلك كثير كان يعمد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفسر آية فيها إبهامٌ وإجمالٌ بآية أخرى فيها بيانٌ وتفصيل، دليل ذلك ما رواه البخاري [4] بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسَّر مفاتح الغيب في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُو) [5] فقال: مفاتيح الغيب خمسٌ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [6] ، وهذا المنهج النبوي يمثل اللبنات التمهيدية الأولى للتفسير الموضوعي.
-ثم أخذ الصحابة رضوان الله عليهم هذا المنهج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمعوا بين آيات يربطها رابط، كأن يكون ظاهرها التناقض فيجمعون بينها بما يجعلها مؤتلفة غير مختلفة،
(1) سورة الأنعام: الآية 82.
(2) سورة لقمان: الآية 13.
(3) صحيح البخاري - للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - كتاب التفسير - تفسير سورة لقمان - ج 6 - ص 20 - ، وصحيح مسلم - للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية - ط 1400 هـ- 1980 م - كتاب الإيمان باب (56) صدق الإيمان وإخلاصه - رقم الحديث (197) - ح 1 ص 114.
(4) صحيح البخاري - مصدر سابق - كتاب التفسير - تفسير سورة الأنعام - ح 5 ص 193.
(5) سورة الأنعام: الآية 59.
(6) سورة لقمان: الآية 34.