المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته) [1] ، ويقول أيضًا: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) [2] .
وقد لاحظنا من خلال نشأة التفسير الموضوعي وتدرجه كيف ازدادت الحاجة في عصر التابعين ومن بعدهم إلى المزيد من تفسير القرآن سواء كان بالمنهج التحليلي أو من خلال جمع موضوعات تتعلق بالقرآن وجعلها في مصنفات خاصة مثل"القسم في القرآن"،"الأمثال في القرآن"،"والناسخ والمنسوخ في القرآن"وغيرها من موضوعات وأحكام فقهية متنوعة، تجمعها أبواب وكتب ومؤلفات تمثل الجانب التطبيقي للتفسير الموضوعي وإن كانت لا تحمل هذا المصطلح المتعارف عليه بنظريته في عصرنا الحاضر، إن دل ذلك فإنما يدل على أن بُعدهم عن عصر التنزيل والنبوة جعلهم أكثر حاجة ممن سبقهم إلى مزيد من الدراسات، وقد بلغت الحاجة أشدها في عصرنا الحاضر حيث جدّت في حياة الأمة أمور لم تكن موجودة في الأزمان السابقة مما اقتضى ظهور هذا اللون بعد أن كانت دواعي وجوده غير متوفرة سابقًا.
عرفنا فيما سبق الأسباب في عدم ظهور هذا التفسير الموضوعي بنظريته عند السابقين ولعل ذلك يمهد الطريق لمعرفة دواعي ظهوره في العصر الحاضر، ومع وجود هذه الدواعي والأسباب لا ننسى أن القرآن قد نزل للناس جميعًا منذ مبعثه - صلى الله عليه وسلم - وإلى قيام الساعة، فلا بد أن يظهر في كل عصر ومع كل جيل مدى شموله وكماله وصلاحيته وتلائمه مع جميع المعطيات والمستجدات.
وإليك هذه الدواعي والأسباب فيما يلي:-
1 -وجود أمور مستجدة جاءت بعد أن لم تكن في العصور الماضية فلا بد من بيان حكم القرآن في هذه القضايا، وهذا لا يكون إلا من خلال البحث في القرآن ذاته لاستخلاص الأحكام التي تتعلق بهذه القضايا والمستجدات على اختلاف تنوعها.
2 -بُعد الناس عن زمن التنزيل وجهلهم بكثيرٍ من قضايا القرآن وأحكامه المتعلقة بشئونهم الخاصة والعامة، وبالتالي هم في حاجة ماسة لمثل هذه الموضوعات القرآنية التي تجمع كل ما يتعلق بالموضوع الواحد من آيات متفرقة في سور القرآن، فيتعرفون مثلًا على
(1) رواه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب ما يكره من كثرة السؤال - مصدر سابق - ح 8 - ص 143.
(2) رواه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب (37) - حديث (131) - مصدر سابق - ح 4 - ص 1831.