الصفحة 22 من 39

بالنسبة لهم، بالإضافة إلى استغلال جلَّ أوقاتهم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله باعتباره العمل الأهم والأَوْلى وقد حققوا فتوحات بالدعوة والجهاد لم يحققها غيرهم ممن انشغلوا بالكتابة والتأليف [1] ، فلم يكن عدم ظهور هذا اللون من التفسير عندهم راجعًا إلى قصورهم أو عدم اهتمامهم بهذا اللون، ولكن إحاطتهم بثمرته أغناهم عن الخوض فيه والانشغال به، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - المكلف بالتبليغ هو أوعى الناس لمهمته وأكثرهم علمًا وإحاطة برسالته، وبالتالي أقدرهم على بيان مُراد الله سبحانه وتعالى في كتابه وآياته، إذ إن تبليغ الرسالة على الوجه الأكمل مترتب على فهمه لمحتوى الرسالة جملة وتفصيلًا قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) [2] ، وكيف يُبين للناس كتاب الله دون أن يحيط بعلمه، وبالتالي لا حاجة لأن يصنع لهم نظرية التفسير الموضوعي فالاشتغال بالمعلوم نوع من العبث.

ثم يأتي الصحابة في المرتبة الثانية بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنهم تربوا على يديه وشاهدوا الوحي وعاصروا التنزيل، ومع مكانتهم العلمية التي لا خلاف عليها بين عقلاء الناس فلا يضرهم أن يجهل بعضهم معنى كلمة هنا أو هناك في كتاب الله تعالى كما وقع مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أشكل عليه معنى الأبَ في قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [3] فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف [4] .

فالأمور التي لا ينبني عليها حكم عملي يُعدُّ البحث فيها تكلفًا لا فائدة منه حيث يكتفى منها بمواطن العبرة والعظة، وقد جاء النهي القرآني الصريح عن الخوض في مثل هذه الأمور التي لا تدخل في إطار الأحكام العملية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) [5] ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستفسارات التي لا يكون لها واقع عملي في حياة المسلمين وذلك حيث يقول: (إن أعظم

(1) انظر: البداية في التفسير الموضوعي - الدكتور عبد الحي الفرماوي - مصدر سابق - ص 57.

(2) سورة النحل: الآية 44.

(3) سورة عبس: الآية 31.

(4) تفسير القرآن العظيم - للإمام ابن كثير الدمشقي - كتب هوامشه وضبطه حسين بن إبراهيم زهران - دار الكتب العلمية - بيروت - ح 4 - ص 743 - وقال ابن كثير: إسناده صحيح.

(5) سورة المائدة: الآية (101 - 102) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت