فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 54

عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [1]

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 28) 1 - 1 - [ش أخرجه مسلم في كتاب الإمارة بقوله قوله - إنما الأعمال بالنية رقم 1907 (إنما الأعمال بالنيات) أي صحة ما يقع من المكلف من قول أو فعل أو كماله وترتيب الثواب عليه لا يكون إلا حسب ما ينويه. و (النيات) جمع نية وهي القصد وعزم القلب على أمر من الأمور. (هجرته) الهجرة في اللغة الخروج من أرض إلى أرض ومفارقة الوطن والأهل مشتقة من الهجر وهو ضد الوصل. وشرعا هي مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة وقصدا لإقامة شعائر الدين. والمراد بها هنا الخروج من مكة وغيرها إلى مدينة رسول الله -. (يصيبها) يحصلها. (ينكحها) يتزوجها. (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي جزاء عمله الغرض الدنيوي الذي قصده إن حصله وإلا فلا شيء له] والظاهر أن الحكمة من البدء بهذا الحديث التنبيه على الإخلاص وتصحيح النية من كل طالب علم ومعلم أو متعلم وأن طالب العلم عامة والحديث خاصة بمنزلة المهاجر إلى الله تعالى ورسوله -

هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين جليل القدر كثير الفوائد لأنه من الأحاديث الجامعة التي عليها مدار الإسلام وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أن جميع الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية أقوالها وأفعالها الصادرة من كل مؤمن لا تصح ولا تقبل بدون النية. لأن النية هي الأساس والميزان للأعمال والأقوال كلها. فإذا صلحت النية صلح العمل، وإذا فسدت فسد العمل، فإذا كانت النية صالحة والعمل موافقا للشرع فالعمل مقبول وإن كانت يقصد بها غير ذلك فالعمل مردود. ثم إنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصل في هذا الحديث بتفصيل! كالمثال بأن من هاجر إلى دار الإسلام حبا لله تعالى. ورغبة في الإسلام وتعلم الدين والعمل به حصل له جزاء ما نوى. وإن كان قصده وهدفه أمورا دنيوية كدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فجزاؤه على حسب مقاصده، والله سبحانه يعلم السر وأخفى، وسيجازى كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وان شرا فشر. الخلاصة في شرح الأربعين النووية- علي بن نايف الشحود (ص: 3)

بعض فوائد الحديث:

الأولى: أن أعمال القلوب -ومنها الإخلاص- هي الأصل وأعمال الظاهر تابعة لها.

الثانية: يجب أن تكون عناية المسلم بإصلاح باطنه أشد من عنايته بمجرد ظاهره.

وقد جمع العلامة ابن الحاج المالكي هذين المعنيين بقوله: (( فَالْأَصْلُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ عَلَى أَنْوَاعِهَا هُوَ الْإِخْلَاصُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ فَعَلَى هَذَا الْجَوَارِحُ الظَّاهِرَةُ تَبَعٌ لِلْبَاطِنَةِ، فَإِنْ اسْتَقَامَ الْبَاطِنُ اسْتَقَامَ الظَّاهِرُ جَبْرًا، وَإِذَا دَخَلَ الْخَلَلُ فِي الْبَاطِنِ دَخَلَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ وَكُلِّيَّتُهُ فِي تَخْلِيصِ بَاطِنِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ إذْ أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِقَامَةِ مِنْهُ تَتَفَرَّعُ، وَهُوَ مَعْدِنُهَا ) )

الثالثة: قدر الثواب على الأعمال يكون بحسب نية العاملِ وقصده قوةً وضعفًا وجودًا وعدمًا.

الرابعة: العمل الشرعي الذي ينتفع به صاحبه هو ما جمع بين صلاح الباطن بخلوص النية واستقامة الظاهر بسداد الأعمال.

الخامسة: تضاعف أجر العمل الواحد بتعدد نيات عامله، فالمقاتل في سبيل الله تعالى يمكن أن يجمع نياتٍ كثيرةً عند جهاده، كالانقياد لأمر الله، وإعلاء كلمته، ونصرة المستضعفين، وفكاك المأسورين، وحفظ حوزة المسلمين، وإغاظة الكافرين إلى غير ذلك من المقاصد التي تندرج تحت هذه العبادة فاستحضار النية لكل ذلك يزيد في الثواب.

السادسة: ضرورة إخلاص النية في سائر الأعمال.

السابعة: الوساوس والخواطر والواردات التي ترد على النية لا تؤثر عليها مالم تغير أصل النية، فالنية الفاسدة هي النية التي أصل عقدها ومنشئها وبدايتها لغير الله أو أن صاحبها غير نيته بعد أن كانت صالحة وصرفها عن أصلها. ولذلك قال في شأن النية الفاسدة الباطلة"ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها"فأصل نيته إرادة الدنيا"ومن عرف هذا الأصل سلم من شبهات الوساوس وخواطر النفس بإذن الله سبحانه."

الثامنة: إن مدار الأعمال على النيات، صحة، وفَسادًا، وكمالا، ونقصا، وطاعة ومعصية فمن قصد بعمله الرياء أثم، ومن قصد بالجهاد مثلا إعلاء كلمة الله فقط كمل ثوابه. ومن قصد ذلك والغنيمة معه نقص من ثوابه. ومن قصد الغنيمة وحدها لم يأثم ولكنه لا يعطى أجر المجاهد. فالحديث مسوق لبيان أن كل عمل، طاعة كان في الصورة أو معصية يختلف باختلاف النيات.

وبالجملة فقدر هذا الحديث معلومٌ، ولا يكاد ينفك عنه بابٌ من أبواب العلم، وقد أطال العلماء في شرحه وبيانه، والله تعالى أعلم. الأربعون في فضل الشهادة في سبيل الله مختصر (ص: 5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت