فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 54

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:"أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ" [1] "

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 581) 5228 - 1579 - [ش أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضل عائشة رضي الله عنها رقم 2439 (غضبى) في حال غضب لأمر ما. (أجل) نعم. (أهجر) أترك مع الكره والألم لذلك الترك]

قَوله:"إِنِّي لأَعلَم إِذا كُنت عَنِّي راضِيَة إِلَخ"يُؤخَذ مِنهُ استِقراء الرَّجُل حال المَرأَة مِن فِعلها وقَولها فِيما يَتَعَلَّق بِالمَيلِ إِلَيهِ وعَدَمه، والحُكم بِما تَقتَضِيه القَرائِن فِي ذَلِكَ، لأَنَّهُ - جَزَمَ بِرِضا عائِشَة وغَضَبها بِمُجَرَّدِ ذِكرها لاسمِهِ وسُكُوتها، فَبَنَى عَلَى تَغَيُّر الحالَتَينِ مِنَ الذِّكر والسُّكُوت تَغَيُّر الحالَتَينِ مِنَ الرِّضا والغَضَب، ويَحتَمِل أَن يَكُون انضَمَّ إِلَى ذَلِكَ شَيء آخَر أَصرَح مِنهُ لَكِن لَم يُنقَل وقَول عائِشَة"أَجَل يا رَسُول الله ما أَهجُر إِلاَّ اسمك"قالَ الطِّيبِيُّ: هَذا الحَصر لَطِيف جِدًّا لأَنَّها أَخبَرَت أَنَّها إِذا كانَت فِي حال الغَضَب الَّذِي يَسلُب العاقِل اختِياره لا تَتَغَيَّر عَن المَحَبَّة المُستَقِرَّة فَهُو كَما قِيلَ:

إِنِّي لأَمنَحك الصُّدُود وإِنَّنِي ... قَسَمًا إِلَيك مَعَ الصُّدُود لأَميَل

وقالَ ابن المُنَيِّر: مُرادها أَنَّها كانَت تَترُك التَّسمِيَة اللَّفظِيَّة ولا يَترُك قَلبها التَّعَلُّق بِذاتِهِ الكَرِيمَة مَودَّة ومَحَبَّة. انتهى.

وفِي اختِيار عائِشَة ذِكر إِبراهِيم عَلَيهِ السَّلام دُون غَيره مِنَ الأَنبِياء دَلالَة عَلَى مَزِيد فِطنَتها، لأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَولَى النّاس بِهِ كَما نَصَّ عَلَيهِ القُرآن، فَلَمّا لَم يَكُن لَها بُدّ مِن هَجر الاسم الشَّرِيف أَبدَلَتهُ بِمَن هُو مِنهُ بِسَبِيلٍ حَتَّى لا تَخرُج عَن دائِرَة التَّعَلُّق فِي الجُملَة. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (9/ 326)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت