فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 54

فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» [1]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» [2]

(1) - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 274) (3087) صحيح

قوله - صلى الله عليه وسلم: «عَوان» أيْ: أسِيرَاتٌ جَمْع عَانِيَة، بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَهِيَ الأسِيرَةُ، والعاني: الأسير. شَبَّهَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المرأةَ في دخولِها تَحْتَ حُكْمِ الزَّوْجِ بالأَسيرِ «وَالضَّرْبُ المبَرِّحُ» : هُوَ الشَّاقُ الشَّدِيد وقوله - صلى الله عليه وسلم: «فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلًا» أيْ: لا تَطْلُبُوا طَريقًا تَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.

حق الزوج على المرأة الاسمتاع، وأن تحفظه في نفسها وماله، فإنْ نشزت أو أساءت العشرة هجرها في المضجع، فإن أصرَّت ضَرَبَها ضربًا غير مبرح، بأنْ لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا، ويجتنب الوجه والمقاتل، وحق المرأة على الزوج نفقتُها وكسوتها عند عدم النشوز. تطريز رياض الصالحين (ص: 203)

(2) - صحيح البخاري (7/ 26) (5185 و 5186)

مفردات الحديث:

-استَوْصوا: يعني: ليُوصِ بعضكم بعضًا خيرًا وإحسانًا في نسائكم. أو معناه: اقبلوا وصيَّتي إيَّاكم فيهن، فإني أوصيكم بهنَّ خيرًا وإحسانًا.

-ضِلَع: بكسر الضاد المعجمة، وفتح اللام، آخره عين مهملة، هو عظم قفص الصدر، وهو منحن، والمراد أنَّ حواء أصلها خلقت من ضلع آدم، كما قال تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] .

-أعلاه: هو ما يكون عند الترقوة، فإنَّه مدور كنصف الدائرة، فهو عظم شديد الاعوجاج.

-تقيمه: تعدله وترده إلى الاستقامة.

-عِوَج: بكسر أوله على الأرجح، وقال أهل اللغة: العوج بالفتح في كل منتصب كالعود، وبالكسر ما كان في بساطٍ، أو أرضٍ، أو دِينٍ، فيُقال: في دِينه عِوج، بالكسر.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -في الحديث بيان حق الجار، وأنَّ حقَّه على جاره كبير، فقد جاء في الحديث الصحيح:"ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنَّه سيورثه".

2 -ويدل على أنَّ من آذى جاره بأذى قولي أو فعلي، فليس بكامل الإيمان بالله تعالى، ولا باليوم الآخر؛ فإنَّ الإيمان بالله يحمل صاحبه على اتِّقاء محارمه، والإيمان باليوم الآخر يوجب الخوف من أهوال ذلك اليوم، فلا يؤذي جاره، أما من آذى جاره، فلو كان حين آذاه يتَّصف بالإيمان ما صدر منه أذى لجاره؛ فإنَّ الإيمان يحمل صاحبه على القيام بالواجبات، وترك المحرَّمات.

3 -ويدل الحديث على الوصية بالنساء خيرًا، فقد جاء في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع قوله:"فاتَّقوا الله في النساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله".

فالله تعالى من رحمته ولطفه بخلقه، يوصي ويحث على العناية والرعاية بالجنس الصغير والضعيف من خلقه، فاليتامى أمر بحفظ أموالهم، ونهى عن إضاعتها، وتوعدَّ على أكلها فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء] وهذه المرأة الضعيفة الأسيرة في بيت زوجها يوصي بها تعالى فيقول: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] ، وقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] .

وقال - صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".

4 -ولما وصَّى - صلى الله عليه وسلم - بالنساء ذكر"أنَّهنَّ خُلِقن من ضِلع، وأنَّ أعوج شيء في الضِّلَعِ أعلاه"وهذا بيان لطبيعة النساء وخلقهن، وهو تمهيد للأمر باحتمالهن، والصبر عليهنَّ ولذا قال:"فإن ذهبتَ تقيمُهَا، كسرتها، وكسرها طلاقها، وإن استمتعت؛ بها استمعت بها على عِوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا".

فهذا الوصف الرائع، والتصوير البارع، والوصية الكريمة منه - صلى الله عليه وسلم -، يحدِّد موقف الرجل من زوجته، فيسلك معها سبيل الحكمة، والرحمة، والبر، والإحسان.

والمراد بخلقها من الضِلع، يعني: خلق أُمنا حواء من ضِلع آدم، عليهما السلام.

5 -إذا تدبرنا أحكام الإِسلام الرشيدة، وآدابه السامية، ووصاياه الكريمة، وجدنا من صفاته الكريمة الإيثار، فهو يشعر النفس بحبِّ الخير للإنسانية كلها، لاسيَّما أصحاب الحقوق من مسلمٍ، وقريبٍ، وجارٍ، وغيرهم ممَّن تربطهم بالإنسان علاقةٌ وصلةٌ، وهذا الإيثار له أكبر الأثر في توثيق المحبة بين أفراد المجتمع، وجعلهم متعاطفين متعاونين، بِعَكس الأثرة، وحب النفس، والأنانية، فإنَّها تجعل صاحبها مكروهًا، منبوذًا من المجتمع؛ لأنَّه لا يرغب أن يؤدي حق غيره.

فمن أهم مكتشفات علم النفس الحديث: ما ثبت من أنَّ سعادة الإنسان لن تأتي بغير تضحية في سبيل الغير، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) } [الحشر] .

وما أجمل الإيثار وأحسنه إذا كان فيمن لا تطمع منه في مكافأة، ولا ترجو منه جزاء ولا شكورًا، من امرأة ضعيفة أو يتيم فاقد لراعيه وواليه، فالإِسلام دائمًا يوصينا بهؤلاء وأمثالهم ممن ليس لهم حول ولا طَوْل، فالموفَّق البار بنفسه وبإخوانه لا تفوته هذه المواقف الكريمة من الإحسان، والمفرِّط المهمل هو من فاتته الفرص، وضاعت منه الغنائم.

6 -الحديث قرن بين حق الجار، وبين حق الزوجة، كما قرنت بينهما الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36] فقد ذكر المفسرون أنَّ الجار الجنب هو الجار في الدار، والصاحب بالجَنب هو الزوجة.

7 -تشبيه الطلاق بكسر العظم تشبيه بليغ جدًّا، ففيهما شبَهٌ كبيرٌ من حيث الإيلام، وصعوبة جبره وعلاجه، ومن أجل أنَّه قد يعود على غير خِلقته الأولى.

8 -وفيه بيان أنَّ الناس ليست حقوقهم عليك سواء، بل بعضهم آكد حقًّا من بعض، كما في الحديث:"إنَّ الجار له حق، فإذا كان الجار مسلمًا فله حقان، فإذا كان جارًا مسلمًا قريبًا فله ثلاثة حقوق".

9 -وفيه دليل على نقص عقول النساء وكمال عقول الرجال، فإنَّه لم يوص بهن إلاَّ لضعفهنَّ، وعدم احتمالهنَّ، وأنَّهنَّ بحاجة إلى ملاطفة ومداراة، وإلاَّ فلا يمكن البقاء معها.

10 -وفيه دليل على أنَّ الرجال هم القوامون على النساء، فإنَّه لم يوص الرجل بالمرأة إلاَّ لِما له عليها من الرئاسة.

11 -وفي الحديث دليل على أنَّ أحوال الدنيا ناقصة، وأمورها لا تأتي على المطلوب والمراد، وأنَّ الواجب على الإنسان التحمل والصبر، والقناعة بما يحصل من خيرها.

12 -الزوجان ما داما في انسجام ووئام، فهذه هي العِشرة الطيبة التي حثَّ عليها الشرع المطهر.

أما إذا دبَّ الخلاف والشقاق بينهما، فسبيلهما الإصلاح، ببعث حكمين بينهما؛ أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة، فيعملان ما يريانه الأصلح من جمع أو تفريق، وفي هذه الحال يجوز."توضيح الأحكام من بلوغ المرام (5/ 349) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت