عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلاَئِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ» [1]
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ «إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ» [2]
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 484) 3816 - 1360 - [ش أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها رقم 2435. (ما غرت على خديجة) مثل الغيرة التي غرتها منها شدة وقوة والغيرة الحمية والأنفة. (هلكت) ماتت. (قصب) لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف وقيل أنابيب من جوهر. (خلائلها) صديقاتها جنع خليلة. أي وهذا يشعر باستمرار حبه لها فهو مما يزيدها غيرة عليها. (ما يسعهن) ما يشبعهن ويسد حاجتهن]
في هذا الحديث: دليل على حُسن عهد الصاحب، وحفظ وده، ورعاية حرمته وإكرام صديقه في حياته، وبعد موته. تطريز رياض الصالحين (ص: 237)
(2) - صحيح البخاري (5/ 39) (3818)
[ش (صدائق) جمع صديقة. (كانت وكانت) أي يذكر صفاتها وفضائلها]
معنى الحديث: أن عائشة رضي الله عنها كانت شديدة الغيرة من خديجة وذلك أمر طبيعي لأن من أبرز صفات المحبة في المرأة المحبة لزوجها أنها تغار عليه أشد الغيرة، وتكره أن تشاركها أي امرأة أخرى في حبه لها، أو تشغل باله وتفكيره، فيكثر من ذكرها، أما إذا سبق لهذه المرأة أنها كانت زوجة له، وأنه لا زال يعيش على ذكراها، فإن الغيرة تشتد، وهذا ما وقع للسيدة عائشة رضي الله عنها بالنسبة إلى السيدة خديجة، حيث قالت"ما غرت على أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها"أي مع كوني لم أرها ولم ألتق بها في عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -"ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من ذكرها"أي ولكن السبب في شدة غيرتي منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر الحديث عنها"وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة"أي وكان يكرم صديقاتها، ويهدي إليهن الهدايا من أجلها، فكثيرًا ما كان يذبح الشاة ويقسمها أقسامًا، فيهدي إلى كل واحدة من صديقاتها قسمًا منها، وفاءً لخديجة، وذلك من شدة محبته لها، ومحافطه على ودها، والعيش على ذكراها."فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة"أي فكثيرًا ما كنت أخاصمه إذا ذكرها، وتحدث عنها فأقول له: كأن خديجة أنستك النساء جميعًا، فأصبحت لا ترى غيرها في هذه الدنيا"فيقول: إنها كانت وكانت"أي فيعدد فضائلها ومحاسنها، ويقول: إنها كانت صوامة قوامة محسنة إلى غير ذلك كما سيأتي."وكان لي منها ولد"بفتح الواو وسكون اللام أي وبالإضافة إلى هذه المزايا كلها فقد رزقني الله منها أكثر ذريتي ذكورًا وإناثًا.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل السيدة خديجة رضي الله عنها الذي يتجلى في شدة محبته - صلى الله عليه وسلم - لها، وتعلقه بها، وعيشِهِ على ذكراها، وإكرام صديقاتها، كما قالت عائشة رضي الله عنها وما رأيتها، ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر ذكراها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنت عليه أختها هالة، وسمع صوتها اهتز فرحًا وسرورًا وانتعشت نفسه، وأسرع للقائها، لأن صوتها يشبه صوت خديجة رضي الله عنها قالت عائشة، فقلت:"ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين أي ساقطة الأسنان"هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرًا منها"ْأي قد أبدلك الله بي، وأنا خير منها، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمنا أولاد النساء"وذلك لأن جميع أولاده منها ما عدا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية. ومن أولادها رضي الله عنها القاسم، وقد مات صغيرًا قبل البعثة، وبناته الأربع زينب ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة رضي الله عنهن، وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، ومن أولادها عبد الله ولد بعد البعثة، وكان يلقب بالطاهر والطيب ويقال هما أخوان له. اهـ. كما أفاده الحافظ."
ثانيًا: أن الغيرة غريزة في النفس لا يلام عليها الإِنسان. قال الطبري وغيره الغيرة مسامح للنساء ما يقع فيها لأن من تحصل لها الغيرة كما قال الحافظ - لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 284)