فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 54

عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟،قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» ،قَالَ أَبُو دَاوُدَ:"وَلَا تُقَبِّحْ أَنْ تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللَّهُ" [1]

(1) - سنن أبي داود (2/ 244) (2142) صحيح

قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: فِي هَذَا إِيجَاب النَّفَقَة وَالْكِسْوَة لَهَا، وَهُوَ على قدر وُسع الزَّوْج، وَإِذا جعله النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حَقًا لَهَا، فَهُوَ لَازم حضر أَو غَابَ، فَإِن لم يجد فِي وقته، كَانَ دينا عَلَيْهِ كَسَائِر الْحُقُوق الْوَاجِبَة، سَوَاء فرض لَهَا الْقَاضِي عَلَيْهِ أَيَّام غيبته، أَو لم يفْرض. وَفِي قَوْله: «وَلَا يضْرب الْوَجْه» دلَالَة على جَوَاز ضربهَا على غير الْوَجْه، وَقد نهى رَسُولُ اللَّه - عَنْ ضرب الْوَجْه نهيا عَاما، لَا يضرِبُ آدَمِيًّا وَلَا بَهِيمَة على الْوَجْه. وَقَوله: «لَا تُقبِّح» مَعْنَاهُ: لَا يُسْمِعُها الْمَكْرُوه، وَلَا يشتمُها بِأَن يَقُول: قبحك اللَّه، وَمَا أشبهه من الْكَلَام. وَقَوله: «وَلَا تهجر إِلا فِي الْبَيْت» أَي: لَا يهجرها إِلا فِي المضجع، وَلَا يتحوَّل عَنْهَا، أَو يحوِّلها إِلَى دَار أُخْرَى. شرح السنة للبغوي (9/ 160)

ما يؤخذ من الحديث:

1 -وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] .

2 -تقدم أنَّ نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار، وأنَّها لا تسقط بحال عند جمهور العلماء.

3 -وفي الحديث دليل على مشروعية مساواة الرجل زوجته بنفسه؛ فلا يستأثر عليها بشيء، وإنما تكون النفقة لها بحسب حاله من الغنى والفقر والسلطة.

4 -الحديث يدل على أنَّ نفقة الزوجة إنما تكون بالمعروف، والمعروف معناه: العرف والعادة التي عليها الناس حسب زمانهم، ومكانهم، وحالهم.

قال شيخ الإسلام:"الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء: أنَّ نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف، وليست مقدرةً بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد، والأزمنة، وحال الزوجين؛ قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] وقال - صلى الله عليه وسلم:"خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"."

5 -قال شارح الكتاب: قوله"المعروف"إعلام بأنَّه لا يجب إلاَّ ما تعورف عليه من إنفاق كلٍّ على قدر حاله؛ كما قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] .

قال ابن القيم:"وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم، وإنما تجب النفقة بالمعروف".

6 -قال أصحابنا:"ونفقة المطلقة الرجعية، وكسوتها، وسكناها -كالزوجة، وأما المبانة بفسخ النكاح، فليس لها شيء من ذلك".

قال الموفق:"بإجماع العلماء".

وقال ابن القيم:"المطلقة المبانة لا نفقة لها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الموافقة لكتاب الله تعالى، وهي مقتضى القياس، ومذهب أهل الحديث".

7 -قال أصحابنا:"وإن اختلف الزوجان في أخذ نفقة فقولها؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك".

وقال شيخ الإسلام:"القول قول من يشهد له العرف".

وقال ابن القيم:"قول أهل المدينة أنَّه لا يقبل قول امرأة أنَّ زوجها لم ينفق عليها ويكسوها فيما مضى، وهو الصواب، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وهذا القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه". توضيح الأحكام من بلوغ المرام (6/ 44)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت