حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ، فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَاسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي، ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -،فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي" [1] ."
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 531) 4450 - 1454 - [ش أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب فضل عائشة رضي الله عنها رقم 2443 (فقضمته) كسرت منه بأطراف أسناني من الجزء الذي كان يستاك به عبد الرحمن رضي الله عنه]
ما يؤخذ من الحديث:
1 -فيه بيان وجوب العدل في القسم بين الزوجات، وعدم تفضيل بعضهن على بعض في المبيت وغيره.
2 -أنَّ القسم الواجب حتى في حالة المرض؛ لأنَّ الغرض منه المبيت والعشرة، لا نفس الجماع.
3 -أنَّ الهوى النفسي والمحبة القلبية إلى بعض الزوجات لا تنافي القسم والعدل؛ لأنَّ هذا ليس في وسع الإنسان، وإنَّما هو أمرٌ يملكه الله تعالى وحده؛ ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - يقسم ويعدل، ويقول:"اللَّهمَّ هَذا قَسْمِي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
4 -أنَّ الزوجة الأخرى أو الزوجات إذا أذن للزوج أن يبيت عند من يشاء منهن، فإنَّه جائز؛ لأنَّ الحق لهنَّ وأسقطنه برضاهن.
5 -حسن عشرة زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورضي الله عنهنَّ، وإيثارهنَّ ما يحبه على محبّه أنفسهنَّ؛ فقد علمن رغبة إقامته - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة، فتنازلن عن حقهنَّ؛ ليمرَّض في بيتها.
6 -فضل عائشة -رضي الله عنها- فلو لم يكن عندها من حسن العشرة، ولطف الخدمة، وكمال الخُلُقِ، ما آثرها على غيرها بالرَّغبة في المقام عندها.
فقد جاء في الصحيحين عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وجاء في الصحيحين -أيضا- عن عائشة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهَا:"يَا عَائشَة! هَذا جِبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته".
7 -يجوز للإنسان أن يعرِّض برغبته بالشيء لمن يريد منه قضاءها، ولا يعتبر هذا التعريض من النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرًا يشينه؛ لأنَّهنَّ يعرفن ذلك فيه.
8 -أنَّ الأفضل للإنسان أن يفعل الذي هو خير، ولو لم يجب عليه؛ فالقسم بين الزوجات ليس واجبًا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا راعاه حتى في هذه الحالة الشديدة عليه.
9 -اختلف العلماء في وجوب القسم على - صلى الله عليه وسلم -، والراجح: أنَّه لا يجب عليه؛ لقوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب:51] ، إلاَّ أنَّه مع هذا الفُسحة له من ربه، كان - صلى الله عليه وسلم - يعدل بينهن فيما أقدره الله عليه من القسم، صلوات الله وسلامه عليه. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (5/ 460)