فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 54

مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلاَ يَاتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ} - إِلَى قَوْلِهِ - {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173] ،قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: «مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ» .فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ، قَالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ، فِيمَنْ هَلَكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ» ثُمَّ قَالَ عُرْوَةُ، قَالَتْ عَائِشَةُ:"وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" [1]

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 507) 4141 - 1413 - [ش أخرجه مسلم في التوبة باب في حديث الافك وقبول الله توبة القاذف رقم 2770 (اقتصاصا) أحفظ وأحسن ايرادا وسردا للحديث. (يهبلن) لم يسمن ولم يكثر لحمهن وشحمهن. (باسترجاعه) بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون. (فخمرت) غطيت. (بجلبابي) الجلباب ثوب يغطي جسم المرأة. (فوطئ على يدها) ليسهل ركوبها ولا يحتاج إلى مساعدة. (موغرين) أي داخلين في وقت شدة الحر. (نحر الظهيرة) صدر وقت الظهر وأوله. (يستوشيه) يطلب ما عند المتحدث ليزيد منه. (عصبة) جماعة. (كما قال الله تعالى) أي كما ذكر في القرآن أنهم عصبة دون تحديدهم بقوله تعالى {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} / النور 11 /. (كبر ذلك) متولي معظم حديث الإفك ومشيعه. (عرضي) العرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وقيل جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص أو ينال منه. (يفيضون) يخضون. (يريبني) يشككني في حاله. (اللطف) الرفق والإحسان. (تيكم) اسم إشارة للمؤنث. (نقهت) أفقت من المرض وصححت من علتي. (المناصع) مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها واحدها منصع لأنه يبرز إليه ويظهر من نصع الشيء إذا وضح وبان. (متبرزنا) مكان قضاء حاجتنا. (الكنف) جمع كنيف وهو المكان المستور من بناء أو نحوه يتخذ لقضاء الحاجة. (قبل الغائط) أي التوجه نحو مكان منخفض لقضاء الحاجة. (أي هنتاه) يا هذه وقيل يا بلهاء لقلة معرفتها بمكايد الناس وشرورهم. (وضيئة) حسنة جميلة من الوضاءة وهي الحسن. (أكثرن) أكثرن القول الرديء عليها. (يرقأ) يسكن وينقطع. (يضيق الله عليك) أي تستطيع أن تطلقها وتتزوج غيرها ولم يقل ذلك عداوة ولا بغضا لها ولا شكا في أمرها إنما قاله إشفاقا على رسول الله - لما رأى من انزعاجه بهذا الأمر فأراد اراحة خاطره وتسهيل الأمر عليه. (أغمصه عليها) أعيبها به. (الداجن) الشاة التي تقتنى في البيوت وتلعف ولا تخرج إلى المرعى وقد تطلق على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيره. (يعذرني) يقوم بعذري إن جازيته على قبيح فعاله وقيل ينصرني العذير الناصر. (رهطك) جماعتك وقبيلتك. (قلص دمعي) انقطع. (البرحاء) الشدة التي كانت تصيبه عند نزول الوحي. (الجمان) اللؤلؤ الصغار. (تحارب لها) تطعن بي وتعاديني تعصبا لأختها لأني ضرة لها مع أن زينب نفسها أمسكت عن هذا وما قالت إلا خيرا رضي الله عنها وأرضاها. (الرجل) المتهم وهو صفوان بن المعطل رضي الله عنه. (كنف أنثى) ثوبها الذي يسترها وهو كناية عن عدم جماع النساء ومخالطتهن]

تقول عائشة رضي الله عنها:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه"أي أجرى بينهن قرعة، فأيتهن خرج سهمها صحبها معه،"فأقرع بيننا في غزاة"وهي غزوة بني المصطلق في رمضان سنة خمس من الهجرة"فخرج سهمي فخرجت معه"إليها"حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك وقفل"أي عاد من غزوته،"ودنونا من المدينة"أي اقتربنا منها"آذن بالرحيل"أي أعلن عن رحيله"فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني"أي فلما انتهيت من قضاء حاجتي"فإذا عقد لي من جزع أظفار"بالفتح، الخرز اليماني، اشتهرت بهذه العقود المنظومة من الخرز الأسود الذي فيه عروق بيضاء،"قد انقطع"أي فلما لمست صدري وجدت عقدي هذا قد انقطع"فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه"أي فعدت أبحث عن عقدي فأخّرني التفتيش عنه عن العودة إلى هودجي"فأقبل الذين يُرَحلون" (بضم الياء، وفتح الراء) أي فجاء الذين يشدون رحلي على بعيري"فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه"أي يظنون أنني موجودة داخل الهودج، ولم يشعروا بعدكم وجودي، لأن وجودي أو عدمه لا يؤثر في ثقل الهودج أو خفته بشيء ثم بينت سبب ذلك فقالت:"وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن"أي كن خفاف الأجسام، لم يثقلهن الشحم الكثير، والسمن الفاحش لأنهن لم يكن يأكلن كثيرًا، ولا يتناولن الأطعمة الدهنية الدسمة إلاّ نادرًا"وإنما يأكلن العُلقة من الطعام"بضم العين وسكون اللام، وهو القليل من الطعام، حيث كن يرين ثلاث يعرفني قبل الحجاب"، أي فلما نظر إليَّ عرف أني عائشة، لأنه كان يعرفني قبل الحجاب،"فاستيقظت باسترجاعه"أي فاستيقظت من نومي على صوته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون،"حين أتاني في راحلته فوطأ يدها"أي داس على يدها ليقعدها"فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة"أي بعد ما نزلوا وقت الظهيرة ليستريحوا"فهلك من هلك"يعني فتورط من تورط في هذه القضية، وخاض في هذه التهمة الباطلة من حديث الإِفك."وكان الذي تولى الإِفك عبد الله ابن أُبي بن سلول"أي وكان رأس هذه الجماعة الذي تبنى هذه التهمة الكاذبة على عائشة ودعمها وروج لها، وأشاعها هو عبد الله بن أُبي رئيس المنافقين، أما بقية أهل الإِفك فهم كما أفاده النسفي: يزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدوهم"فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا"، أي مرضت شهرًا"والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك"أي يتحدثون في هذه الإِشاعة الكاذبة قالت:"ويرييني في وجعي أني لا أرى من النبي - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض"أي ومما بعث في نفسي الريبة والشك والإحساس الداخلي بأن هناك أمرًا قد حدث، هو هذا التغير في معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لي حيث لم أعد أجد منه تلك المعاملة أي بما تكلموا به في عرضي. قالت عائشة:"فازددت مرضًا على مرضي"عندما علمت بما قذف الناس في عرضي،"فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم، فقال: كيف تيكم"أي كيف حال تلك يشير إلى عائشة، فسأل عنها بلهجة جافة فاترة، تختلف عن لهجته التي كان يتحدث بها سابقًا مع زوجته الحبيبة"فقلت ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر"أي وإنما ذهبت إلى بيت أبي لأتعرّف من أبوي على حقيقة ما دار حولي من حديث الإِفك"فقلت لأمي: ما يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية هوّني على نفسك الشأن"أي فأرادت أمها"أم رُومَان"تسليتها والتخفيف عنها، فقالت لها: لا تهتمي بالإِشاعة كل هذا الاهتمام، ولا تحزني كل هذا الحزن، وخففي عن نفسك من همومها وأحزانها، فلست أوّل امرأة حسناء قيل عنها ما قيل، بل قلما كانت امرأة جميلة محبوبة عند زوجها لها ضرائر يغرن منها إلاّ تحدثن عنها بما تكره، وهو معنى قولها"لقلما كانت امرأة قط وضيئة"أي جميلة لا عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها"أي إلاّ أكثرن عليها الأحاديث بما يسيء إليها"فقلت: سبحان الله"تعجبًا مما سمعت"قالت: فبت تلك الليلة لا يرقأ لي دمع"أي فبت تلك الليلة كلها أبكي لا يكف لي دمع وقضيتها كلها ساهرة، لا أذوق طعم النوم أي ما رأيت منها شيئًا يعيبها"أكثر من أنها جارية حديثة السن"أي فتاة صغيرة السن تغفل عن بعض الأمور"تنام عن العجين، تأتي الداجن فتأكله"أي فتأتي الشاة فتأكله"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي"أي من ينصرني عليه"وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاّ خيرًا"أي وقد اتهموا أهلي برجل صالح، حسن السيرة والسمعة بين الناس"فقام سعد فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه"أي آخذ لك الحق منه"إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك"أي فنفذنا فيه أمرك، وعاقبناه بالعقوبة التي تريدها،"فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا"غير متهم في عقيدته"ولكن احتملته الحمية"أي غلبت عليه الأنفة والعصبية لقبيلته فعارض سعد بن معاذ"فقال: كذبت لَعَمْرُ الله والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك"لأنه رأى أنه ليس من حق سعد بن معاذ أن يتدخل في أمر يتعلق أي لقد أشاع عنك بعض الناس أنك فعلت كذا وكذا مع صفوان بن المعطل"وإن كنت ألممت"أي وإن كنت فعلت ذنبًا، واقترفت خطيئة حقًا"فاستغفري الله وتوبي"أي فاعترفي بالذنب واستغفري الله وتوبي إليه"فإن العبد إذا اعترف بذنبه فتاب تاب الله عليه"لأنّ التوبة توجب المغفرة، ويتوب الله على من تاب."فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته قلص دمعي"أي فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديثه هذا جف دمعي لهول ما سمعت، وعند ذلك التفت إلى أبويّ استنجد بهم في الدفاع عني"قلت لأبي أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: والله ما أدرى ما أقول"لأن الصدمة النفسية كانت قاسية عنيفة غلبت عليه وعلى تفكيره، وأعجزت لسانه عن الإجابة، فهو في موقف يحار فيه أعظم الرجال ماذا يقول، وبماذا يجيب، إذا نظر هنا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومقامه فوق كل مقام، وإذا نظر هناك وجد عائشة ابنته الكريمة الشريفة الطاهرة المطهرة تتعرض لهذه التهمة الشنيعة، أمران يحق ما رام مجلسه"أي ما فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - مجلسه"حتى أُنزِلَ عيه الوحي فأخذه ما كان يأخذه"أي فأصابه ما كان يصيبه أثناء نزول الوحي"من البرحاء"أي من ارتفاع الحرارة وشدة العرق"حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان"أي حتى صار العرق يتساقط منه كما تتساقط اللآلئ المتناثرة"في يوم شات"أي حال كونه - صلى الله عليه وسلم - قد حدث له ذلك في يوم شتوي شديد البرودة"فلما سرّي عن رسول الله"بضم السين وكسر الراء المشددة أي فلما انكشف عنه الوحي"وهو يضحك"أي حال كونه ضاحكًا متهلل الأسارير، مشرق الوجه من شدة السرور والفرح ببراءة زوجته الحبيبة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها"فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أي قومي إليه واشكريه على بشراه لك بهذه البراءة"،"فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله"لأنه هو الذي برأني مما نسب إليَّ بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، أما أنتم فقد شككتم في أمري"فأنزل الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيات"إلى آخر قوله تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فأثبت الله تعالى بالوحي الصريح براءة عائشة حيث قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وسمى الله تلك التهمة الشنيعة"إفكًا"فقال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) إعلانًا عن كذبهم وافترائهم فيها، ثم هددهم بالعقوبة عليها في الدنيا والآخرة، حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) "قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه"وذلك أن أم مسطح سلمى كانت بنت خالة أبي بكر الصديق، فغضب وقال:"والله لا أنفق على مسطح شيئًا"بعد ما فعل الذي فعل"فأنزل الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) "أي لا يحلف أصحاب المال والغنى"أن يؤتوا أولي القربى"أي لا يحلفوا على أن لا يعطوا أقاربهم من أموالهم، لأنهم أساؤوا إليهم، قال تعالى:" (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) "يعني ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم مقابل عفوكم عنهم"فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه"أي فأعاد إلى مسطح ما كان يعطيه، وكفّر عن يمينه."فقال: يا زينب ما علمت وما رأيت"أي ما الذي تعلمينه عن عائشة وما هي مرئياتك عنها فيما يتعلق"فقلت ائذن لي إلى أبوي"فاستأذنته وهي في أسوأ الأحوال بدنيًا ونفسيًا، وهكذا يجب أن تكون المرأة الصالحة لأن سيرة هؤلاء الأبرار إنما ندرسها لنتأسى بها في حياتنا ونطبقها عملًا في سلوكنا، لا نستعرضها كما تستعرض التحف القديمة الثمينة، حتى إذا ما تحدث أحدٌ عن تطبيقها، قالوا: ذلك عصر وهذا عصر، أين نساؤنا من نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأين نحن منه، كلمة حق أريد بها باطل. نعم أين نحن منه في عصمته ومكانته عند ربه، أما في الواجبات والفرائض فإننا يجب علينا أن نتبعه فيها، لأنها يستوي فيها المسلمون جميعًا، لا فرق بين طبقة وطبقة، وكذلك نساؤنا يجب عليهن أن يتبعن أمهات المؤمنين في الواجبات التي لا بد منها، كالحجاب واستئذان الزوج في خروجهن، وطاعة أمره، والمحافظة على ماله وعرضه، هذه كلها واجبات لا يجوز لمسلم أو مسلمة إذا أمر باتباع سيرة المصطفى أو الصحابة أو الأسرة النبوية الكريمة أن يقول: أين نحن من أولئك حتى تطالبنا باتباعهم فالواجب واجب، والحق حق، والفرض فرض في كل قرن وعصر. نعم فيما يتعلق بالفضائل والمستحبات والمندوبات الأمر فيها واسع بعض الشيء، أما الواجبات، أو المحرمات فلا نقاش فيها"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"هذا هو أساس التشريع الإِسلامي في كل عصر ومصر.

سادسًا: لُبابُ هذا الحديث وجوهره والعنصر الأساسي فيه هو بيان فضل السيدة عائشة وتبرئتها القاطعة من التهمة الباطلة التي نسبت إليها بوحي صريح منزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقرآن يتلى على مر العصور والأزمان يقطع ألسنة المرجفين، ويقضي على إشاعات المغرضين والملحدين، وأدلة براءتها من حديث الباب والآيات المنزلة في شأنها كثيرة، وأهمها ثلاثة الأول: التبرئة الصريحة الحاسمة في قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) قال البغوي يعنى عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع. الثاني: شهادة القرآن لعائشة بأنها الطاهرة المطهرة حيث قال فيها (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) قال ابن كثير أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاّ وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيّب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا. الثالث: أن الله سمي هذه التهمة الباطلة إفكًا حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) والإفك أبلغ الكذب، وأشنع الافتراء والبهتان الذي لا تشعر به حتى يفجأك. وقد افتخرت عائشة رضي الله عنها بهذه الفضائل التي ميزها الله بها، وأنعم بها عليها، قال البغوى: روي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطتها لم تعط امرأة مثلها، وهي أن جبريل أتى بصورتها في قطعة من حرير، وقال: هذه زوجتك، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكرًا غيرها، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأسه في حجرها، ودُفِن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدِّيقه، وخلفت طيبة ووعدت مغفرة ورزقًا كريمًا.

سابعًا: ما ترجم له البخاري من جواز تعديل النساء للنساء، وتزكية بعضهن لبعض، لأنّه - صلى الله عليه وسلم - سأل بريرة وزينت عن عائشة فزكتاها، وتحدثتا عن صلاحها وكمال دينها، حيث قالت: زينب والله ما علمت عنها إلّا خيرًا. وقالت بريرة: إن رأيت منها أمرًا أغمضه عليها، أي ما رأيت منها أمر قبيحًا أعيبها عليه من أجله، وفي رواية أن بريرة لما سئلت عن عائشة قالت: سبحان الله، ما علمت عليها إلا كما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة حيث قال: بجواز تعديل النساء بعضهن بعضًا، وقبول تزكية المرأة للمرأة إذا شهد امرأتان ورجل في قضية، وهو مذهب البخاري، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل بريرة عن حال عائشة ولما أجابت ببراءتها اعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - قولها، فخطب واستعذر من ابن أُبيّ.

وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا تقبل تزكية المرأة للمرأة، وأجاب القاضي عياض عن حديث الباب بأن قضية عائشة ليست من باب الشهادات، وإنما هي من باب التحقيق الشرعي لإظهار براءة المتهم أو إدانته والله أعلم.

ثامنًا: قال ابن بطال: من سَب عائشة رضي الله عنها بما برأها الله تعالى منه يقتل لتكذيبه بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. القصص في السنة النبوية (ص: 195) ومنار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت