ولا أنسى تلك الليلة التي هاتفني بها الشيخ رحمه الله وأنا في السنة الثانية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 2004 م، كان ذلك في منتصف الليل، وكانت الحرب مستعرة في غزة، ومعسكر جباليا قد انتفض على بكرة أبيه يصدون اجتياحًا صهيونيًا غاشمًا أراد أن يكسر شوكة المقاومة في غزة، ويستأصل شأفتها.
كانت الحرب قائمة، أطلق المجاهدون عليها وقتئذٍ"أيام الغضب"، وإذ بالشيخ رحمه الله يكلمني بالجوال يطلب مني شيئين، الأول أن استنفر زملائي في الجامعة لقيام الليل في المدينة من أجل الدعاء للمجاهدين، وأما الثاني فقد طلب مني نسخة كاملة من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ذات (26 مجلدًا) ليقرأها على المجاهدين في المعركة، فذهلت، وقلت للشيخ: حتى في هذا الموقف تقرؤون؟ قال: نعم، حتى في هذا الموقف، كي يعلم يهود وأشياعهم أننا أمة لن نترك الجهاد والعلم إلا على رقابنا، لتنقضي المعركة بعدها بنصر الله المؤزر لهذه الثلة المجاهدة.
وبلغت محبة الشيخ العظيمة لصحيح الإمام البخاري أنه كان كثيرًا ما يردد عبارته الجميلة:"إني لأتعبد الله بقراءة صحيح البخاري كما أتعبده بقراءة القرآن"، وقال مرة في مجلس:"لقد قرأت صحيح البخاري ومسلم أيام الماجستير في ستة أيام"، وقام رحمه الله بتدريس كتاب صحيح الإمام البخاري، شرحًا تحليليًا لطلبة الجامعة الإسلامية بمسجد الجامعة، في درس إملاءٍ لمدة ساعتيْن إلى ثلاث، على مدار أربع سنوات.
وقد لمس آل الشيخ في بيته حبه لصحيح البخاري، وإدمانه القراءة فيه حتى كاد يستظهره، فكانت زوجات الشيخ الأربع [1] رحمهن الله يشاركنه في قراءة
(1) ... اللاتي قُدّر لهن أن يُرزقن الشهادة مع الدكتور رحمه الله، ومما يُسجّل للشيخ رحمه الله هنا عبارته التي كان يكررها دائمًا: أنه ما تزوج نساءه الأربع إلا ليغيظ به العلمانيين وزنادقتهم، الذي سخروا كل ما يملكون لمحاربة دين الله وتشويه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي منها تعدد الزوجات.