الصحيح لوحدهن، ثم يقمن بسؤال الشيخ عن استشكالات قد ترد، أو علاقات التراجم مع الأحاديث إلى آخر تلك المناقشات، وكان الشيخ يذكر هذا عنهن في المجالس، ويشيد بحرصهن على العلم والمذاكرة.
المبحث الرابع
عنايته بشروح صحيح البخاري
تبوأ"الجامع الصحيح"للإمام البخاري رحمه الله منزلةً سامقةً بين العلماء، وأضحى وجوده في خزانات الكتب أمرًا مفروضًا، والرجوع إليه ضرورة ملحة يعيب على الباحث إغفال مثله.
ولأهمية الكتاب الكبيرة، أقبل العلماء على شرحه، ببيان فحواه، وشرح معانيه، وتوضيح مشكله، وإبراز مقفله، ودرء تعارضه، وتراجم رجاله، وبيان علله، إلى آخر تلك الرعاية الفائقة التي لم تتهيأ لغيره من الكتب، ولم يظفر بها أيُّ متنٍ من متون السنة المشرّفة، حتى تجاوزت هذه المؤلفات المائتي كتاب، ومع ذلك فإن البحّاثة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله (ت 808 هـ) لما اطلع على شروح هذا الكتاب المختلفة، وجدها لم تفِ البخاري حقه، ولا صحيحه قدره، مع ما فيها من عظيم الفوائد وجسيم العوائد ما يكفي للرحلة إليها، إلا أنه نظر إلى مكانة هذا الكتاب في نفوس الناس بعامة، وطلبة العلم والعلماء بخاصة، فأراد أن يستفزّ الهمم لشرحٍ يكافئ البخاري في تأليفه، ويجاريه في مضماره، وقال عبارته المشهورة المتداولة"إن شرح صحيح البخاري دَيْنٌ على الأمة لم يوفَّ بعد"، قال ابن خلدون كلامه هذا، ومداد العلماء لم يرتفع بعد عن صفحات القرطاس، فأراد علامة اللغة في زمانه الفيروز آبادي صاحب"القاموس"في اللغة العربية الوفاء بقضاء هذا الدَّيْن،