وإعفاء الأمة من مسؤوليته، وقام بتأليف شرح سماه"منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري"بلغ فيه كما يقول السخاوي إلى ربع العبادات في عشرين مجلّدة، ووافته المنية دون إكماله [1] .
إلى أن جاء إمام زمانه، ووحيد أوانه الحافظ الكبير، والجِهبذ النحرير، خاتمة الحفاظ، وأمير المحدّثين، أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) ، نسبة لمدينة عسقلان في فلسطين المحتلة على يد الصهاينة، فقام بتأليف أجل تصنيف له مطلقًا، وأنفعها للطالب مغربًا ومشرقًا، وأجلّها قدرًا، وأشهرها ذكرًا، وكان كما قال عنه مؤلفه كما رآه تلميذه السخاوي بخطه قبل إتمام شرحه:"ولولا خشية الإعجاب، لشرحت ما يستحقُّ أن يوصف به هذا الكتاب، لكن الحمد لله على ما أَوْلى، وإياه أسألُ أن يُعين على إكماله منًّا وطولًا"، وابتدأ ابن حجر شرحه أوائل سنة سبع عشر وثمانمائة من الهجرة، وانتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته، إلا قُبيل وفاة مؤلفه بيسير، فيكون قد مكث في تأليفه خمسًا وعشرين سنة [2] .
وقد أثنى العلماء عليه ثناءً عظيمًا، وتنافس الكبراء والأمراء، وطلبة العلم والعلماء في كتابته وشرائه، وأضحى مرجع الباحثين إلى زماننا هذا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، ولما طُلب من الإمام الشوكاني (ت 1250 هـ) أن يشرح صحيح البخاري أجاب بالحديث المشهور:"لا هِجْرة بعد الفَتح"يقصد به فتح الباري. [3] .
ومما سبق، يتبين لنا منزلة هذا الشرح في قلوب العلماء، وكيف أوفى ابن حجرٍ صحيحَ البخاري حقه في الشرح غير منقوص فلم يدع بعده مطلبًا لساعي، ولا مطمعًا لراجي، الأمر الذي يجعلنا نجزم أن ابن خلدون رحمه الله لو اطلع على
(1) ... الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي 2/ 675.
(2) ... الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي 2/ 675.
(3) ... فهرس الفهارس للكتاني 1/ 323