هذا الشرح الذي لم يشرع فيه ابن حجر إلا بعد وفاته بتسع سنوات، لما قال عبارته، ولجزم كما جزمنا بأن هذا الدّيْن قد انقضى بهذا الشرح المبارك على يد إمامنا العسقلاني رحمه الله.
من هذا المنطلق كان شيخنا أبو بلال رحمه الله يرى أن أعظم شرحٍ لصحيح البخاري قرع سمع الأمة مذ أول شرح له وحتى زماننا الحاضر هو شرح الحافظ ابن حجر رحمه الله، فحرص الشيخ على شراء نسخه الكثيرة، واقتناء جميع طبعاته المختلفة، وتغالى في شرائها حتى أنه دفع مرة لنسخة من هذا الكتاب ضعف ثمنها [1] ، وكان يدمن النظر في هذا الشرح العظيم ويطالعه مطالعة نقّابة بصير، وبحّاثة خبير، ويؤثر عنه رحمه الله أنه قال:"قرأت فتح الباري مرتيْن"وقال مرة:"إني لأعرف من أسرار فتح الباري ما لا يعرفه أهل غزة قاطبة"، وما كان هذا إلا لمن عايش الكتاب وصاحبه ولازمه، وخالط حبُّه لحمه ودمه.
وقال مرة: أنه ينوي كفالة طباعة كتاب فتح الباري على نفقته الخاصة، ثم يقوم بتوزيعه على طلبة العلم مجانًا، ولما علم ذات مرة بوجود نسخٍ كثيرة من فتح الباري في مكتبة"آفاق"في غزة، قام رحمه الله بدفع نصف ثمن هذه النسخ كلها من أجل مساعدة طلبة العلم على شرائها ويدفعون النصف الآخر.
(1) ... حدثني أخي أحمد أنه أخبر الشيخ بوجود طبعة جديدة صدرت لفتح الباري بإشراف الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، نشرتها مكتبة العبيكان في الرياض، وزعم الناشرون لها أنها نسخة أبي ذر الهروي، فما كان من الشيخ إلا أن أمر بإحضارها له، فقال له أخي: أن صاحبها يطلب 800 شيقل-بالعملة المتداولة في غزة، ويقابلها 200$ تقريبًا-، مع أن سعرها الحقيقي لم يتجاوز 400 شيقل فقط، لكن الشيخ لحرصه الشديد على اقتناء الكتب، وسخائه في امتلاكها، دفع المبلغ الكبير دون تردد، فلله درّه من عاشق لتراث أسلافه رحمه الله، وهذا التنافس في شراء نسخ صحيح البخاري وشروحه النادرة له سلف عمّن مضى من العلماء، ويذكر الكتاني رحمه الله في فهرس الفهارس (2/ 677) أن الإمام المحدث ابن ناصر الدرْعي التّمكروتي المغربي ت 1129 هـ، قد اشترى نسخة من صحيح البخاري بمكة بثلاثة وسبعين مثقالا ذهبًا.