الصفحة 15 من 59

ولما كان شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم أحد مشاريع الشيخ التأليفية، فإننا نرى أن عنايته رحمه الله توجهت لشرح صحيح مسلم أكثر، لاعتقاده أن صحيح مسلم لم يخدم بعْد الخدمة اللائقة به كصحيح البخاري، وقد كشف رحمه الله عن هذا الأمر في مقدمة شرحه لصحيح الإمام مسلم المسمى"إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم"فقال [1] :"لا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ مَا لِصَحِيحَيْ الإِمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، الإِمَامِ مُحَمَّدِ بن إِسْمَاعِيْلَ بن إِبْرَاهِيمَ البُخَارِيِّ، وَالإمَامِ مُسْلِمِ بن الحَجَّاجِ النَّيْسَابُوْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مِنَ المَكَانَةِ السَّامِقَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِعَامَّةٍ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِخَاصَّةٍ، فَلَمْ يَزَلْ صَنِيعُهُمَا مَحَطَّ أَنْظَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاهْتِمَامِهِمْ، وَمصَدَرَ إِلْهَامِهِمْ كُلَّمَا خَبَتْ نَارُ الْعَزِيمَةِ فِي نُفُوسِهِمْ."

وَقَدْ قَيَّضَ اللهُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، لِكِتَابَيْهِمَا مَا لَمْ يُقَيِّضْ لِغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَاعْتَنَى أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِمَا، اسْتِخْرَاجًا وَاسْتِدْرَاكًا، وَشَرْحًا وَبَيَانًا، وَدَفْعًا لِمُشْكِلِهِمِا، وَدَرْءًا لِلشُّبُهَاتِ عَنْهُمَا، فَكَانَ صَنِيعُ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ؛ أَحْمَدَ بن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ قَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الحُسْنِ وَالْإِبْدَاعِ، فِي شَرْحِهِ"فَتْحُ الْبَارِي"إِذْ نَهَضَ لَهُ نُهُوضًا، وَاسْتَقَلَّ بِهِ اسْتِقْلالًا، وَعَلا لَهُ عُلُوًّا، فَكَانَ الْمَاهِرَ فِي صَنْعَتِهِ، الحَاذِقَ فِي مَهَارَتِهِ، قَدْ رَجَعَ فِيهِ إِلَى كُلِّ شَارِحٍ سَبَقَهُ، فَأَفَادَ مِنْهُ، وَنَهَلَ عَنْهُ، وَنَافَسَ وَنَاقَشَ، وَبَيَّنَ وَسَدَّدَ، حَتْى أَصْفَقَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِهِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَلِسَانٍ يَلْهَجُ بِالثَّنَاءِ:"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ".

أَمَّا صَحِيحُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَكَمَا قَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ عَزَمَ لَهُ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ لِشْرْحِهِ، فَأَفَادَ رَحِمَهُ اللهُ وَأَجَادَ، غَيْرَ أَنَّهَ لَمْ يَشَأْ تَطْوِيلَهُ قَالَ:"وَلَوْلا ضَعْفُ الْهِمَمِ، وَقِلَّةُ الرَّاغِبِينَ، وَخَوْفُ عَدَمِ انْتَشَارِ الْكِتَابِ؛ لِقِلِّةِ الطَّالِبِينَ لِلْمُطَوَّلَاتِ، لَبَسَطُّتُهُ فَبَلَغْتُ بِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْمُجَلَدَاتِ"

(1) ... ينبه الباحث إلى اعتماد ما يذكر الشيخ من الحواشي أثناء نقله كلامه من كتبه، وربما حذف بعضها للضرورة وعدم الإطالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت