-لزيم البخاري وظله ورصيفه- الإمام مسلم رحمه الله.
ذكر الشيخ رحمه الله سبب اختلاف هذه الروايات فقال:"وكان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يديم النظر في كتابه، ويزيد وينقص، ويقدم ويؤخر، ويأتي برواية مكان أخرى؛ حسب ما يرى من تفاوت الروايات وتعاظم درجاتها، فتذبل السُّرُج ولا تذبل عينه، وقد طاب للخلق ليلهم الساجي، وهو يعدد أسانيده"ما نمت البارحة، حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة" [1] فهذا حِبُّه الذي له يحيى وعليه يخشى، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة أدخلها في مصنفاته، وما تُرِكَ كثيرٌ."
ويصفُ وَرَّاقُه كيف كان البخاري يتابع مصنفاته، فيجافي جنبُه مضجَعَه، يحيي ليله وهو يفتش ويبحث، فكأنما يبيت على قتاد، فقد كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القَدَّاحَةَ، فيوري نارًا بيده، ويسرج ثم يخرج أحاديث، فيعلم عليها، ثم يضع رأسه" [2] ويحصي عليه الفِرَبْرِي"أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة، ثماني عشرة مرة" [3] .
وكان رحمه الله يُحَوِّلُ"تراجم جامعه بين قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين" [4] ، وهذا يفسر ما روى أبو الوليد الباجي قال: حَدَّثَنا أبو ذَرِّ عبد بن أحمد الهَرَوِيُّ، ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيُّ إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفِرَبْرِيِّ فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت
(1) ... تاريخ الإسلام للذهبي 252.
(2) ... تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/ 13 من كلام وراقه محمد بن أبي حاتم، قال الإمام النووي بين يدي هذه القصة:"وها أنا أختم أحواله بأمدح ما وصف به إنسان"ثم ساق القصة، انظر: شرح صحيح البخاري للنووي ص:10.
(3) ... تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/ 14 من كلام الراوي راويته الفِرَبْرِي.
(4) ... تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/ 9.