فمن مسائل (الحديث الصحيح) في كتب علوم الحديث: بيان أول من صنّف في (الصحيح) المجرّد، فلما ذكر ابن الصلاح ت 643 هـ أن البخاري هو أول من جمع أحاديث صحيحة مجرّدة مما سواها، اعتُرض عليه بـ (الموطأ) للإمام مالك ت 179 هـ، وقيل في تقرير هذا الاعتراض: إن قيل إنّ في (الموطأ) مراسيل وبلاغات، قلنا: إن في صحيح البخاري معلّقات أيضًا، وأجاب الأئمة عن هذا الاعتراض بأكثر من جواب، وأنصع الأجوبة حجةً هو أن يقال: إن البخاري بتسميته لكتابه (المسند) بيّن أنّ شرْط الصحة شرطٌ في الأحاديث المسندة وحدها، دون المعلّقة، فالمعلقات خارجة عن شرط الصحيح عند البخاري، أما الإمام مالك فالمراسيل والبلاغات التي في الموطّأ عنده صحيحة، كما ذكروا ذلك عنه.
وفائدة أخرى مأخوذة من ذيل السابقة، هو أن رجال تعاليق البخاري لا يلزم أن يكونوا على شرط رجال الصحيح المسند في كتابه.
وقوله"الصحيح"أذانٌ باشتراطه الصّحّة في كتابه، لا أنّ وصْفه بالصحيح كان استنباطًا من تصرّفه في كتابه.
وقوله"المختصر"فيه ردٌّ على من زعم أن اقتصار البخاري على ما اقتصر عليه من الحديث الصحيح يُطرّق لأهل البدع ادّعاء أنه لا يصح عند أهل الحديث إلا ذلك العدد الذي أخرجه البخاري؛ فهذا البخاري يردّ على ادعائهم، بوَسْم كتابه بأنه مختصر.
وفائدة أخرى: تُقفل باب الإلزام للبخاري بإخراج كل صحيح على شرطه، فإن البخاري صرّح بأنه لم يستوعب ولم يقصد الاستيعاب، وذلك بتسميته كتابه (المختصر) " [1] ."
إذا تأملت هذا؛ علمت سرّ اهتمام شيخنا رحمه الله بهذه المسألة كثيرًا، فلله درّه.
(1) ... العنوان الصحيح للكتاب للشريف حاتم بن عارف العوني ص 50 - 52.