الصفحة 44 من 59

فهذا مسلم سار على الطريق ذاته في التحقق من السماع عند خشية الإرسال والتدليس.

أما إن كان الأمر على الإبهام أي: بدون قرائن تدل على عدم السماع، فإن الحكم يكون بالاتصال حتى تقوم قرينة على عدم السماع.

إذًا فالنص قد يُرى دليلا لمن ينسب للبخاري وابن المديني اشتراط ثبوت اللقاء مرة للحكم بالاتصال بين المتعاصرين، وقد ترجح لدى الباحث أنها مستند القاضي لما نسبه إليهما، فإنه لم يفتره - حاشاه الله - عليهما، فلعله قاله بسبب هذا النص في صحيح البخاري وقد ظهر بطلان الاستدلال به.

الدليل الثاني: إعلال البخاري رحمه الله لأحاديث بنفي العلم بالسماع أو اللقاء، كقوله: لا أعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح [1] أو ما شابهها من العبارات.

وهذه العبارة لا تدل على اشتراط ثبوت اللقاء والعلم به، وإنما هي ترجيح لجانب عدم السماع يتوصل إليه من خلال قرائن دالة على انتفاء اللقاء أو السماع.

ولو كانت تدل على اشتراط العلم باللقاء بين المتعاصرين مرة حتى يحكم بالاتصال بين الروايات، لكان مسلم نفسه يشترط العلم باللقاء، وواضح أن مسلمًا يحمل على القائل بهذا الشرط بشدة.

فقد قال مسلم في كتاب التمييز: ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه [2] ، فلو كان هذا الدليل يصلح لاشتراط ثبوت اللقاء لكان مسلم على الشرط الذي شنع على مشترطه أشد التشنيع، فإن عبارة مسلم تكاد تكون أشد من عبارة البخاري.

(1) ... علل الترمذي الكبير 1/ 423.

(2) ... التمييز للإمام مسلم ص: 48 وانظر كتاب صديقي الأستاذ الدكتور الشريف حاتم في كتابه إجماع المحدثين ص:71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت