الصفحة 49 من 59

قوله قول البخاري وابن المديني، إلى أن جاء الإمام الذهبي رحمه الله، فقال في سير أعلام النبلاء: قلت:"ثم إن مسلما، لحدة في خلقه، انحرف أيضا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا ولا سماه في"صحيحه"بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة"عن"وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك."

وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة [1] .

وهكذا يرجح الذهبي أن مسلمًا رحمه الله إنما أراد البخاري بهذه المقالة.

وبعد الإمام الذهبي بدأ بعض العلماء يذكرون أن مسلمًا أراد البخاري أو ابن المديني ويرجحون أحدهما على الآخر.

ثم أتى ابن رجب الحنبلي، فوازن بين الرأيين، ورجح الرأي المنسوب للبخاري، لكنه لم يزعم أبدًا أنه البخاري، وسار على نهج القاضي في إبهام خصم مسلم، إذ قال: وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله [2] .

فليس في قوله ادعاء أن مسلمًا أراد البخاري، وإنما أراد أن توافقا حصل بين رأي البخاري ورأي من رد عليه مسلم.

وقال ابن كثير:"وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه: وشنَّع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقيَّ، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح" [3] .

فلعله أشار إلى قول الذهبي بترجيح كون مسلم أراد البخاري بتشنيعه، ثم إنه

(1) ... سير أعلام النبلاء 12/ 573.

(2) ... شرح علل الترمذي 1/ 147.

(3) ... الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث 1/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت