رجح أن يكون المراد ابن المديني.
وللأسف فقد بدأت دعوى أن مسلما أراد البخاري أو شيخه ابن المديني تجد طريقها إلى كتب المصنفين في علم الحديث حتى غدا الأمر من المسلمات عند المعاصرين، فقد حاول العلامة المعلمي أن يعتذر لمسلم في هجومه على البخاري مثبتًا أنه شنع عليه فعلا.
قال المعلمي رحمه الله: فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعةً اتبعوا بعض الأفاضل في أمر، يرى أنه ليس لهم فيه وجه ... أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل؛ لكي يكف الناس عن الغلو فيه، الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه ... ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه، مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري [1] .
وقال محقق سير أعلام النبلاء: وقد تكلم مسلم في مقدمة كتابه في الرواية بالعنعنة، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه، وأطال في رد كلام البخاري والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري، وإنما اتفق أهل العلم أنه أراده، ورد مقالته [2] .
ومن خلال ما اقتبس سابقا من نماذج لأقوال العلماء في نسبة مسلم إلى الحط على البخاري والرد عليه، يتضح كيف تدرجت الدعوى من كونها ادعاء لموافقة البخاري لقول معاصر مسلم الذي يرد عليه في المقدمة، إلى أن مسلمًا إنما أراد البخاري نفسه عينا، وترى كيف أصبحت دعوى مهاجمة مسلم للبخاري مسلمة لا شك فيها.
ثانيًا: تأكيدُ بطلان نسبة مسلم إلى التشنيع على البخاري والحط من قدره.
ذهب أستاذي عبد الفتاح أبو غدة [3] إلى أن المراد بتشنيع مسلم في مقدمة
(1) ... التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل 1/ 87.
(2) ... سير أعلام النبلاء 12/ 573.
(3) ... في تتماته على الموقظة للذهبي ص:134 - 140.