الصفحة 5 من 59

فكثيرًا ما سمع طلاب العلم سيرة هذا الإمام في مجالس الشيخ ودروسه، مرددًا مآثره، داعيًا إياهم للاستكثار من قراءة سيرته، وتعداد مناقبه وفضائله.

وحاول الشيخ رحمه الله امتثال نهجه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكان يواصل الليل بالنهار في جمع العلم وتحصيله، لا ينام إلا إذا غلبه النوم، وكان يتأدب بأدب البخاري، ويصون لسانه عن الخوض في الناس وذكر عيوبهم، يرجو بما رجاه البخاري:"ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام" [1] ، وقوله أيضًا:"إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا" [2] ، وبلغ به التأثر بأدب البخاري أن كان مؤدبًا في عبارات الجرح والتعديل، كما كان البخاري رحمه الله مؤدّب العبارة، وإذا تكلم في الرواة تكلم في الجرح الشديد بعبارة مؤدبة لا تشي بالانتقاص والانتقام [3] ، بل هو النصح لله ولرسوله ولدينه، وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله، وتعدى الناس حدوده.

وبلغ به التأثر بالبخاري أن قام بانتهاج طريقه في تلقي العلم من كل أحد، واضعًا عبارة شيخه البخاري نُصب عينيْه"لا يكون المحدّث كاملًا حتى يكتب عمّن هو فوقه، وعمّن هو مثله، وعمّن هو دونه" [4] ، وكم رأينا شيخنا رحمه الله كثيرًا ما يعرض ما يكتب على طلبة العلم النجباء، ليقبس من آرائهم، ويستفيد من تعاليقهم وفوائدهم، وقد طلب مني أكثر من مرة وأنا ما زلت في السنوات الأولى من دراستي أن أقوم بمراجعة بعض هذه الأمور، وكان رحمه الله مع شيوخه وأقرانه

(1) ... هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 479.

(2) ... هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 480.

(3) ... قال ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري ص 480:"وللبخاري في كلامه على الرجال تَوَقٍ زائدٌ وتحرٍ بليغٌ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل فإن أكثر ما يقول سكتوا عنه فيه نظر تركوه ونحو هذا وقل أن يقول كذاب أو وضاع وإنما يقول كذبه فلان رماه فلان يعني بالكذب".

(4) ... هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 479.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت