والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة، ويتصاحبا بعد ذلك دهرًا طويلًا: خمس سنين؟ هذا فضلًا عن أن البخاري خارج من البين في هذه المسألة، على ما بينه الحافظ ابن كثير وشيخ الإسلام البلقيني وغيرهما، والله تعالى أعلم ا. هـ.
أما ما ادعاه الإمام الذهبي من كون مسلم رحمه الله انحرف عن البخاري وترك حديثه، فلم يثبت إذ أنه استدل على ذلك بأمرين:
الأول: أنه لم يرو عنه في صحيحه شيئًا، ولا يلزم منه أنه انحرف عنه، إذ يحتمل أنه إنما أراد علو الإسناد، وقد شاركه في معظم شيوخه، والترمذي رحمه الله على قربه من البخاري وكثرة أخذه عنه وتبجيله له واعتزازه به لم يخرج عنه إلا حديثين اثنين.
الثاني: أن مسلمًا وبّخ البخاري في مقدمة الصحيح، وهذه دعوى ثبت بطلانها، فلا تصح للاستدلال على هذا، فبهذا يثبت أن البخاري قطعًا غير مراد بتوبيخ مسلم رحمه الله وتشنيعه" [1] ."
سادسًا: اهتمامه بضبط بعض أسماء رواة الصحيحين.
اهتمّ المحدثون كثيرًا بضبط أسماء الرواة، والتمييز بينهم، وعقدوا مباحث مستقلّة في علوم الحديث تعني بهذا الأمر، كعلم المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، وغير ذلك من أنواع علوم الحديث [2] .
وكان الشيخ رحمه الله يولي رجال الصحيحين وضبط أسمائهم اهتمامًا شديدًا، وبرز اهتمامه أكثر في اقتناء كتب هذا الفنّ، وقلّما وقع له كتاب في هذا إلا تملّكه، وحثّ طلبة العلم على اقتنائه، وأبرز هذه الكتب التي كان يوصي بها، كتاب الإكمال لابن ماكولا، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي، وأمثالهما.
(1) ... إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 6/ 2532 - 2536.
(2) ... قال ابن الصلاح رحمه الله في كتابه"معرفة أنواع علم الحديث ص 571":"وهذا فنٌّ مطلوب، لم يزل أهل العلم بالحديث يُعنون به ويتحفظونه، ويتطارحونه فيما بينهم، وينتقصون من جهله".