بالعين الأخرى إلى الكون في ذات الوقت فتقرأ الكون وآياته المنظورة من خلال قراءتها المتدبرة للقرآن الكريم.
إن الغاية من تأكيد القرآن الكريم واهتمامه بقراءة وتدبر آيات الله في الكون والأنفس، غاية تستحث العقول للتنقيب والسير في الكون واستخراج سنن وقوانين سيره. تلك القوانين المطردة التي لا تقبل التغيير ولا التبديل. وهي قوانين خلقها الله عز وجل وأودعها لتحكم الكون وتحدد سيرورته. قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [1] . تلك القوانين هي مفتاح تحقيق العمران وإقامة الحضارة المنشودة.
لقد أثمر تدبر السابقين رحمهم الله لكتاب الله عزّ وجلّ وأينع وجاء حصاده فظهر في المسلمين علماء في مختلف العلوم والفنون كالكيمياء والطب والرياضيات والحساب والفلك وغيرها من العلوم الكونية التي لا تستقيم الأمم ولا تُقام الحضارات وتبنى إلا بتحصيلها وقراءتها قراءة واعية تستحضر القرآن الكريم كمنهج شامل يحكم الحياة والكون.
والتدبر من أهم العوامل المحفزة والدوافع القوية لنهضة فكرية وعلمية هائلة أرست قواعدها قراءة كتاب الله والنظر إلى الكون من خلالها، الأمر الذي أفرز في النهاية الحضارة الإسلامية التي لا يزال الغرب يدين لعلومها وجامعاتها في الأندلس وغيرها. إن المؤمن المتدبر لكتاب الله حق تدبره لهو أقدر على غيره من النظر العقلي في هذا الكون واستخراج مكنونات قوانين سيره والتعرف على أسراره ومن ثمّ توظيف ذلك كله لخدمة الإنسانية جمعاء من خلال توفير سبل أفضل للحياة الكريمة الهانئة. لقد نقل التاريخ بأمانة وموضوعية الأعمال
(1) - سورة الفتح، الآية 23.