فالفهم السليم مدعاة لتطبيق سليم وتنفيذ صائب. وشواهد ذلك من التاريخ كثيرة فقد كان تدبر بعض آيات من القرآن الكريم نقطة تحول كبيرة في حياة عدد من الصالحين من حياة طغت عليها الغفلة والبعد عن الطريق السوي إلى حياة عامرة بحب الله واتباع منهج الحق. فالتدبر محور الارتقاء بالروح وتزكية النفس وتنقيتها من كل ما يبعدها عن الله عز وجل.
ومن ذلك ما روي عن توبة الفضيل بن عياض فيما رواه ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه التوابين:"كان الفضيل بن عياض يقطع الطريق فخرج ذات يوم ليقطع الطريق فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلا فقال بعضهم لبعض اعدلوا بنا إلى هذه القرية فإن أمامنا رجلا يقطع الطريق يقال له الفضيل قال فسمع الفضيل فأرعد فقال يا قوم أنا الفضيل جوزوا والله لأجتهدن أن لا أعصي الله أبدا فرجع عما كان عليه، وروي من طريق أخرى أنه أضافهم تلك الليلة وقال أنتم آمنون من الفضيل وخرج يرتاد لهم علفا ثم رجع فسمع قارئا يقرأ الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [1] قال بلى والله قد آن فكان هذا مبتدأ توبته" [2] .
-التدبر مخرج لأزمات الفرد ومشاكله فالقرآن الكريم حوى في ثناياه منهج حياة متكامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إلا أن من أهم الوسائل لتحقيق ذلك والوصول إليه الإيمان الجازم بذلك ومن ثمّ الإتيان إلى القرآن الكريم بذهن متفتح ونفسية قابلة للانصياع إلى حكمه وتنفيذ أوامره والابتعاد عن نواهيه. ومن ذلك ما ساقه القرآن الكريم في علاج كثير من الأمراض الإجتماعية المنتشرة بين عدد من أفراد المجتمع مسببة العديد من المشاكل
(1) - سورة الحديد، الآية 16.
(2) - عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، التوابين، ت: عبد القادر الأرناؤوط، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ، ج 1، 207.