الخطرة التي لا يقف خطرها عند الفرد وحده بل تمتد لتشمل شرائح متعددة في المجتمع.
ومن تلك الأمراض ظاهرة الإشاعة والقفز إلى إصدار الأحكام وإشاعتها بمجرد السماع الأولي دون السماح لها بالمرور في منطقة السماع الداخلي الذي يشترك به مع القدرات العقلية ويتبادل معها التحليل والاستنتاج ومنها التدبر في المسألة بأكملها والتروي والتأني قبل التسرع في القفز لإصدار الأحكام على الآخرين.
والقرآن الكريم يصف هذا الأسلوب بكونه تلقيا باللسان دون الصبر عليها للمرور بالأذن والوصول إلى منطقة الوعي ويتهدد بالعقوبة الإلهية لما يترتب على هذا من أخطاء في الحكم وعدوان على الأبرياء. قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} [1] .
فالتدبر والنظر في الآيات القرآنية الكريمة والربط بينها وبين واقع الحياة والأحداث الجارية في الحياة، يُعد من أنجع الوسائل لعلاج كثير من المظاهر المرضية والسلوكية في المجتمع الناجمة عن التسرع وغياب التأني والتأمل والتدبر في آيات الله في القرآن والكون والنفس [2] .
من هنا كان التدبر مصدرا لهداية المؤمنين به المتدبرين لآياته الواقفين عند أوامره وحدوده. يقول السعدي رحمه الله في ذلك:"أعظم نعم الله على العباد (القرآن) ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر ولهذا بين أن نفعه ونوره وهداه"
(1) - سورة النور، الآية 15 - 17.
(2) - راجع في ذلك الكيلاني، مرجع سابق، ص 79.