ساطعا على أثر التدبر بما خلفوّه من مؤلفات وموسوعات علمية هائلة تنّم عن تفاعل إيجابي بين فهمهم لكتاب الله وإدراكهم لطبيعة الواقع الذي يحيون فيه. فجاءت كتبهم ومؤلفاتهم ثمرة تفاعل متواصل بين الكتاب والواقع من خلال فهم وتدبر سليم يقوم على أصول راسخة وقواعد واضحة وضوابط بينة.
وبهذا بات العالم الإسلامي آنذاك مُصدّرا لمختلف القيم الحضارية من خلال إعمال التدبر واتخاذه منهجا عمليا في الحياة.
لقد أدرك المسلمون آنذاك أن واقع الهزيمة والتأخر له أسبابه وقوانينه الحاكمة لسيره، فالهزيمة لا تأتي إلا بسبب ولا تحلّ إلا من جراء سلوكيات معينة، فكان التدبر وسيلة لفهم تلك السلوكيات والوقوف على المعوقات وتجنب مواطن الزلل والخلل ومحاولة الإقالة من العثرات.
والقرآن الكريم عند تدبر آياته، يوّجه الأنظار باستمرار إلى تلك الحقيقة ويوقظ النفوس على ضرورة الخروج من فكر التبرير وإلقاء اللوم على الآخرين إلى فكر النقد الذاتي الذي يجول في أرجاء النفس باحثا عن أسباب التأخر محاولا الخروج منها وعلاجها عوضا عن غضّ الطرف عنها.
قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [1] .
وهذه القوانين التي تنطبق على الخلق أجمعين يقف عندها القرآن الكريم بعد هزيمة المسلمين في أحد ليوضح لهم القانون ويربط بينه وبين واقعهم مؤكدا على أسباب الهزيمة، حيث يقول:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ
(1) - سورة الروم، الآية 43.