ولا يُفهم من ذلك أن نرمي اليوم بتلك الثروة التراثية العظيمة التي وصلت إلينا بعد جهود هائلة من علمائنا السابقين رحمهم الله، إلا أن المقصود أن يوجّه الاهتمام الأول إلى القرآن الكريم، ويستعان بما كتبه السابقون رحمهم الله في تدبر الكتاب وفهمه.
ومن أبرز آثار هجر التدبر كذلك انتشار الفرقة والتنازع بين الأفراد والجماعات واعتبار كل اختلاف في رأي أو منهج، من قبيل الخروج عن الدين والشرع ومدلف للطعن في عقائد الآخرين وإيمانهم. وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم ذلك الأثر كما حاولوا محاربته في مهده، فقد رأوا في هجر التدبر والإعراض عنه والمسارعة في التلاوة دون تدبر، مدعاة لوقوع النزاع والخصام الناجم عن سور الفهم والتأويل لبعض آيات كتاب الله.
ومن ذلك ما روي عن ابن عباس رضي اله عنهما قال:"قدم رجل يسأله عن الناس فقال يا أمير المؤمنين قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا فقلت (يعني قال ابن عباس) والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة قال ثم قال مه فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا فقلت قد كنت نزلت من هذا بمنزلة ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع فبينا أنا على ذلك قيل لي أجب أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو قائم على الباب يتنظرني فأخذ بيدي ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل انفا؟ قلت: يا أمير المؤمنين إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، قلت متى ما يسارعوا هذه المسارعة"