الصفحة 52 من 67

تلك الأسس العلمية في قول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ُثمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ} [1] .

فالأمر أولا باستعمال العين أداة الإبصار وهي الجارحة والنظر نظرة إجمالية في السماء، ثم تقليبها وتعقب العناصر والجزئبات والعلاقات للتوصل إلى النتيجة وهي انعدام رؤية فطور أو شقوق أو تصدع في خلق السماء. والرؤية - المشار إليها في الآية بلفظة ترى- لا تقتصر على العين المجردة بل يرافقها التأمل والتمعن والتفحص فكان الموافق للسياق استعمال كلمة"ترى"وليس نظر أو بصر.

وتعاود الآية التأكيد على ذلك بقوله تعالى في تمام الآية: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} في حين أن الإنسان لا يسعه أن يرى خلق الرحمن بأكمله، ولكن القرآن يريد أن يثبت للإنسان قضية عقلية يمكن أن يصل إليها من خلال تدبره وهي قياس ما لا يراه من خلق الله على مايراه ويتأمله من الدقة والاتساق والنظام البديع.

وحيث أن المراد من ذلك كله إثبات مسألة عقلية كان استعمال اللفظة القرآنية ترى دون غيرها مثل نظر أو بصر. وبهذا تصبح عملية الإبصار عملية عقلية محضة تتضافر فيها مختلف الوسائل الإدراكية لبلوغ المعنى المراد الذي قد يكون فاصلا بين الإيمان والكفر في آن واحد.

ولا تقتصر عملية الإبصار في القرآن الكريم على الآيات المقروءة بل تتجاوزه لتؤكد دورها في إبصار الآيات المشهودة في الكون، فالمرء يكون أمام كتابين

(1) - سورة الملك: الآيات 3 - 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت