يقتضيان إبصار حقائقهما معا وتلاوتهما في وقت واحد: الكون المنظور والقرآن المقروء. يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله في ذلك:"الرب تعالى يدعو عباده في القرآن الي معرفته من طريقين احدهما النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة .." [1]
من هنا جاء التأكيد في القرآن الكريم على أهمية النظر في الخلق والكون وسير الأمم السابقة، بمعنى التأمل والتفحص فيها والتمعن وإدراك حقيقتها لا بالعين فحسب بل بالقلب فهما وتعقلا وتدبرا. وكما أن القرآن أكد على أهمية الربط بين حاسة السمع والقلب والعقل، أكد كذلك على الربط بين العين والقلب والعقل.
بل إن النصوص القرآنية أشارت إلى حقيقة أخرى، وهي أن العمى الحقيقي والعجز عن الإبصار لا يتمثل أو يكمن في عمى العين الجارحة على سبيل الحقيقة، بل هو عمى القلب وإن كانت جارحة العين سليمة تستطيع النظر إلى الأشياء، ليثبت دور القلب في تعقل معاني المرئيات وإدراكها. قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [2] .. وفي قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الفُؤادُ مَاَ رَأَى} [3] . فالقلب في الخطاب القرآني مسؤول عن الرؤية المبصرة للحقائق وللمرئيات المنظورة بالعين. يقول ابن قيم رحمه الله في ذلك"كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به كماله في حصول ذلك الفعل منه ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له حتى لا يصدر منه"
(1) - ابن قيم، الفوائد، ج 1، ص 20.
(2) - سورة الحج: 46
(3) - سورة النجم: 11