بيد أن ثمة أمور وعوائق قد تحول بين الإنسان ووصوله إلى مرحلة الإدراك المطلوبة للمرئيات من حوله وخاصة الكون المشهود والقرآن المقروء. وهو ما عبرّ عنه ابن القيم بأن العين تمرض فيتعذر عليها النظر والرؤية وليس المراد بالنظر الحسي فهذا أمر آخر بل المراد التعقل والإدراك للمرئي فينظر الإنسان إلى الشيء فلا يدرك له معنى ولا يخبر له مغزى ولا مرمى [1] . وقد لا يشعر المرء بخطورة ذلك المرض ولا باعتلال عوامل الرؤية عنده بحكم الاعتياد.
ومن أبرز عوائق الإبصار السليم تشتت النظر وإطلاق البصر وعدم تركيز الانتباه الذي يؤدي إلى حصر الطاقة العقلية في الموضوع المراد إدراكه بحيث تتداخل أمور متعددة في ذات الوقت مما يجعل إدراك المقروء والمشهود أمرا في غاية الصعوبة. فالإنسان إذا نظر إلى شيء بعينيه وعقله وفكره منصرفا تماما عنه إلى شيء آخر، وهو ما قال عنه القرآن في بعض الأحيان"لاهية قلوبهم".
فالإبصار السليم لا يتم في غفلة القلب ولهوه وانصرافه إلى أمور آخرى. من هنا كان التأكيد على أهمية التركيز والانتباه لما نراه والخروج من حالة الاعتياد والإلفة التي قد تجعل الإنسان يدخل في مرحلة النظر إلى ما لا يرى.
وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن هذه الظاهرة لها أساس عضوي في الجهاز العصبي في الإنسان ويعتقد أنه يكمن في نشاط التكوين الشبكي Reticular Formation وأليافه العصبية الصاعدة منه إلى الدماغ Reticular Activating System وهذا التكوين العصبي الذي يقع في ساق الدماغ ويمتد صاعدا إلى مراكز الدماغ العليا يقوم بدور البوابة التي تتحكم في النبضات العصبية والإثارة الصاعدة للدماغ. فقد يضخم التكوين الشبكي لدى
(1) - ابن قيم، إغاثة اللهفان، ج 1 ن ص 68.