خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه وإذا صدئت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون" [1] ."
وفي كلامه رحمه الله إرهاصات علمية، فذاكرة الإنسان تختزن غالبا عددا من الصور السابقة والذكريات السالفة وما الرؤى والأحلام إلا صورا مختزنة في العقل الباطن يراها الإنسان أمامه وكأنها تحدث اللحظة.
من هنا كانت أهمية تنقية الإنسان وفلترته لما تمتد إليه العين في النهار من أهم الوسائل لحفظ هذا الجهاز وصيانته من اختزان معلومات وصور مشوشة. إضافة إلى أن اطلاع الإنسان على ما لا ينبغي ونظره إلى المحرّمات بأنواعها مدعاة لترتب الجزاء عليها من جنس ما قام به. ومنه قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [2] .
وقد فصّل بعض العلماء ومنهم ابن تيمية رحمه الله في أنواع المحرّمات والصور التي لا ينبغي للمؤمن النظر إليها تفصيلا دقيقا موضحا آثار ذلك على القلب وصفائه وطمس البصيرة والبعد عن الفهم في كتاب الله [3] .
كما أورد ابن القيم على لسان الشيطان أهمية النظر المحرّم في منع نظر الاعتبار والتفكر المطلوب من الإنسان. يقول في ذلك:"ودونكم ثغر العين فان منه تنالون بغيتكم فاني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر فاني أبذر به في القلب"
(1) - ابن قيم، إغاثة اللهفان، ج 1، ص 48.
(2) - سورة محمد، الآية 23.
(3) - ابن تيمية: الفتاوى، تحقيق: حسنين مخلوف، دار المعرفةن بيروت، 1386 هـ، ج 15، 410 وما بعدها.