بذر الشهوة ثم أسقيه بماء الامنية ثم لا أزال أعده وامنية حتى أقوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى انخلاع من العصمة فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهونوا عليه أمره" [1] ."
وكما أن القرآن الكريم أبرز العوائق التي تحول دون النظر السليم، فإنه أظهر الوسائل المعينة للتوصل إليه ومن ذلك، تدقيق النظر والتعرف على الكون المشهود.
إذ أن النظر الفاحص المدقق ينقل الإنسان من المعرفة الباردة المألوفة التي اعتادت الانظار عليها إلى المعرفة المنبهرة بدقة الصنع وجمال التنسيق وعظمته، وتذوق تلك المرئيات واستشعارها والنظر إليها بعين متجددة.
فالنظر في الخلق والكون المشهود الذي دعت إليه عشرات النصوص القرآنية، من أهم خطوات التدبر حيث تهتز لها القلوب وتقوم بالربط بين ذلك الجمال المشهود والمبدع له سبحانه فتحصل للإنسان خشية وتعظيما لخالقه حتى تصبح المناظر المألوفة التي لم تكن تحرك فيه ساكنا، مثيرة للفكر والتأمل ومحركة لإيقاظ البصيرة في ذاته ليصبح الكون كله مسجدا ومحرابا يدخله المؤمن فيخشع قلبه وتنقاد جوارحه إيمانا ويقينا وتصديقا. عندئذ تأتي نصوص القرآن الكريم على نفسه موقظة أحاسيسه وقدراته العقلية، مؤثرة في ذاته وحياته مغيرة لسلوكياته نحو الأفضل والأتمّ في أسلوب متناغم مع الكون كله.
وليس الإبصار المقصود تجريدي لمجرد النظر فحسب، بل الغاية منه الوصول بالمؤمن إلى مرحلة القدرة على اكتشاف قوانين الخلق في الكون
(1) - الجوزية، ابن قيم: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، بلا تاريخ،، ج 1، ص 67.