والأنفس التي يديم النظر إليها، ومن ثمّ استثمارها في إنجازات فعالة تخدم البشرية وتحقق غاية الإعمار والاستخلاف الحضاري.
من هنا كان التأكيد القرآني المتواصل على أهمية النظر في السماوات والأرض والأنفس والأمم والتاريخ ... ليصبح العقل دائم التفكر في الخلق، دائم البحث عن قوانينه وسننه مثيرا المحاولات للتعرف عليه والإفادة منه. يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود.} [1] .
ابتدأت الآية النقلة الحضارية الهائلة بكلمة"ألم تر"تأكيدا على أن المسألة ليست مجرد نظرة عابرة بل هي رؤية تجتمع فيها القدرة على النظر المتبصر بالعين والتعقل بالقلب والعقل لإدراك المعاني، وتقليب النظر وإعادته للتعرف على الخلق، والخروج بتلك النظرة المتفحصة بإنجازات حضارية في مختلف تخصصات العلوم الطبيعية كعلم النبات والطب والجيولوجيا والاحياء والإجتماعيات ... ثم إن الآية الكريمة أثبتت صفة الخشية لهؤلاء العلماء الذين جمعوا إلى جانب تلك التخصصات الخشية والإيمان وكانت علومهم قائدة لهم لمعرفة الله وخشيتهم له.
وتتوالى آيات الأنفس والآفاق في إعجاز مستمر لا يتوقف لحظة عن لفت العقول والأبصار والأسماع إلى العلاقة المتبادلة المستمرة بين آيات الكتاب التي جاء بها الوحي وبين آيات الآفاق والأنفس التي أودعها الخالق سبحانه في الكتاب الكون المشهود وعلى هذا لا تكاد تخلو سورة من سورة القرآن الكريم
(1) - سورة فاطر، الآية 27