الصفحة 64 من 67

القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته" [1] . وثمة تفاسير عدة اهتمت بهذا النهج إضافة إلى العديد من المؤلفات الحديثة في هذا الباب [2] ."

يقول الدكتور دراز في كتابه النبأ العظيم:"إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا وأوزاعا من المباني جمعت عفوًا فإذا هي - لو تدبرت - بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول وأقيم على كل اصل منها شعب وفصول وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والالتحام كل ذلك بغير تكلف ولا استعانة بأمر خارج المعاني أنفسها وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعة وأثنائه يريك المنفصل متصلًا والمختلف مؤتلفًا. ولماذا نقول إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان؟ لا بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما كما يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقها تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين وتؤدي بمجموعها غرضًا خاصًا، كما يأخذ الجسم قوامًا واحدًا ويتعاون بجملة على أداء غرض واحد مع اختلاف وظائفه العضوية" [3] .

(1) - الزركشي، مرجع سابق، ج 1، ص 36.

(2) - من أمثلتها ما كتبه أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار المعارف، الهند، 1971 م. جلال الدين السيوطي، مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع. وغير ذلك كثير.

(3) - نقلا عن الشيخ أحمد حسن، في مناسبة الآيات والسور، مجلة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، العدد العاشر، 1423 هـ/ 2000 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت