فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 86

الباب الأول

صفات العروق النفسية

الفصل الأول

روح العروق

يستند الطبعيون في تقسيمهم للأنواع إلى مشاهدتهم بعض الصفات التشريحية التي

تظهر منتظمة ثابتة بالوراثة، واليوم نعلم أن هذه الصفات تتحول بتبدُّلات غير محسوسة

تتراكم وراثةً، ولكننا إذا نظرنا إلى الأزمنة التاريخية القصيرة وحدها أمكننا أن نقول إن

الأنواع لا تتغير.

وحين طُبِّقَتْ مناهج الطبيعيين في التقسيم على الإنسان أظهرت لنا أمثلة متمايزة،

وهي حين استندت إلى الصفات التشريحية الواضحة، كلون البشرة وشكل الجمجمة

وحجمها، أمكنها أن تقرِّر اشتمال الجنس البشري على أنواع مختلفة متغايرة إلى الغاية

متباينة الأصول على ما يحتمل، ويرى العلماء المحافظون على التقاليد الدينية أن هذه

أن الزنجي والقَفْقاسي، إذا» - الأنواع هي العروق فقط، ولكن الأمر هو - كما قيل بحقٍّ

كانا من فصيلة الحلزون، يقرِّر علماء الحيوان بالإجماع أنهما نوعان مختلفان لا يمكن

«أن يولدا من زوجين افترقا عنهما بالتدريج

ولا تحتمل تلك الصفات التشريحية، ولا سيما التي يمكن أن تنالها يدُ التحليل، غير

تقسيمات عامة موجزة، ولا يظهر اختلافها إلا في الأنواع البشرية البادية التباين؛ كالبِيض

والزنوج والصُّفر مثلًا، غير أن هنالك أممًا كثيرة التشابه من الناحية الجثمانية شديدة

الاختلاف في شعورها وسيرها؛ ومن ثَمَّ في حضاراتها ومعتقداتها وفنونها، أفيمكن أن

يُنْظَمَ الإسپانيُّ والإنكليزيُّ والعربيُّ في زمرة واحدة؟ ألا تبدو الفروق النفسية بينهم لكل

ذي عينين؟ ألا تُقْرَأ هذه الفروق في كل صفحة من تاريخهم؟

وقد أرُيدَ - عند عدم الاختلاف في الصفات التشريحية - أن يُستَند في تقسيم

بعض الشعوب إلى عناصر مختلفة كاللغات والمعتقدات والزُّمَر السياسية إلخ، بيد أن

تقسيمات كهذه مما لا يقف أمام سلطان البحث.

وما عَجَز التشريح واللغات والبيئة والزُّمر السياسية عن تقديمه من عناصرالتقسيم

عَرَضه علينا علمُ النفس، وعلم النفس هذا يدل على أنه يوجد خلف نُظُم كل أمة وفنونها

ومعتقداتها وانقلاباتها السياسية ما يصدر عنه تطور هذه الأمة من صفات خُلقية

وذهنية، ومن مجموع هذه الصفات يتألف ما يُسَمَّى روح العِرْق.

ولكلِّ عِرْقٍ مزاجٌ نفسيٌّ ثابتٌ ثباتَ بِنْيتِهِ التشريحية، ولا نرى ما يدعو إلى الشك

في وجود نَسَب بين المزاج النفسي وتركيب الدماغ، ولكن العلم لم يبلغ من التقدم ما

يُكْتَنَه به هذا التركيب؛ ولذلك يتعذر علينا اتخاذه أساسًا للبحث، وهذا إلى أن معرفة ذلك

التركيب لا تُغَيِّر شيئًا من وصف المزاج النفسي الذي يُشْتَقُّ منه فتبديه لنا المشاهدة.

والصفات الخُلقية والذهنية التي يتألف من اقترانها روح الشعب هي عُنوانٌ لخلاصة

ماضيه وتراث أجداده وعوامل سيره، وفي بعض الأحيان تلوح تلك الصفات أولَ وهلةٍ

كثيرةَ التقلب لدى أفراد العرق الواحد، غير أن البحث الدقيق يدل على اتصاف معظم

أفراد هذا العرق في كل وقت بصفات نفسية مشتركة ثابتة ثبات الصفات التشريحية

التي تُتَّخَذُ في تقسيم الأنواع، والصفات النفسية كالصفات التشريحية تنتقل بالوراثة

انتقالًا منتظمًا مستمرٍّا.

ويتألف من اجتماع تلك العناصر النفسية التي تُشاهَد لدى جميع أفراد العرق

ما نرى من الصواب تسميته بالخُلق القومي، ومن مجموع تلك العناصر يتكون المثال

المتوسط الذي نتمكن به من تعريف الشعب، ونحن إذا ما أخذنا، اتفاقًا، ألفَ فرنسيٍّ أو

ألف إنكليزي أو ألف صيني، فإننا نجد بينهم اختلافًا كبيرًا، ومع ذلك نراهم حائزين،

بما ورثوه عن عرقهم، صفاتٍ مشتركة يمكن أن يُستعان بها لتكوين مثالٍ فرنسيٍّ أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت