الفصل الثاني
كيف تتحول النُّظُم والديانات واللغات
بَيَّنَّا في مكان آخر أنه يستحيل على العروق العليا أن تفرض حضارتها على العروق
المتأخرة أو تَحْمِل هذه العروق على اعتناق تلك الحضارة، ونحن حينما تناولنا أقوى
ما لدى الأوربيين من وسائل التأثير، كالتربية والنُّظم والمعتقدات، أثبتنا عدم كفاية هذه
الوسائل لتغيير الحال الاجتماعية في الأمم المتأخرة، ومما حاولنا صُنعه هو بياننا أن
جميع عناصر إحدى الحضارات تلائم مزاجًا نفسيٍّا معينًا نشأ عن وراثة طويلة فغدا
من المتعذر تغيير هذه العناصرمن غير أن يغير المزاج النفسي الذي تُشتق منه، والقرون
وحدها، لا الفاتحون، هي التي تستطيع إنجاز مثل هذا العمل. ومما بيناه أيضًا أن
إحدى الأمم تصعد في سلم الحضارة ببطء وعلى سلسلة من المراحل كالتي جاوزها
هادمو الحضارة اليونانية الرومانية من البرابرة، ومن يحاول بالتربية أن يجنِّب الأمة
هذه المراحل فإنما يربك مزاجها النفسي ويسوقها في نهاية الأمر إلى مستوى أدنى من
المستوى الذي كانت تصل إليه لو تُرِكَت وشأنها.
وهذه البرهنة التي تطبَّق على العروق الدنيا تطبَّق على العروق العليا أيضًا، وإذا
كانت المبادئ المعروضة في هذا الكتاب صحيحة عَلِمنا أن العروق العليا لا تستطيع كذلك
أن تحوِّل حضارتها بغتةً، بل لا بد من مرور زمن طويل ومجاوزة مراحل كثيرة لبلوغ
ذلك، وإذا ما ظهر اعتناق أمم عالية في بعض الأحيان لمعتقدات ونُظم ولغات وفنون
تختلف عما عند أجدادها لم يكن ذلك بالحقيقة إلا بعد تحويل هذه العناصر تحويلًا
بطيئًا عميقًا ملائمًا لمزاج تلك الأمم النفسي.
ويلوح أن التاريخ في كل صفحة من صفحاته يناقض ما عرضناه آنفًا، وما أكثر
ما ترى في التاريخ من أمم تُغيِّر عناصر حضارتها وتعتنق أديانًا جديدةً وتنتحل لغات
جديدة وتتخذ نُظمًا جديدةً، وفي التاريخ أمم تترك معتقداتها المتأصلة لتعتنق النصرانية
أو البُدَّهِيَّةَ (البوذية) أو الإسلام، وفي التاريخ أمم تغيِّر نُظمها وفنونها تغييرًا أساسيٍّا،
وفي التاريخ يبدو أن فاتحًا أو رسولًا أو هَوَسًا يكفي لإتيان مثل تلك التحويلات بسهولة.
غير أن التاريخ حينما يَعرِض علينا قصة تلك الثورة المفاجئة لا يصنع سوى
إنجاز عمل من أعماله المعتادة، وهو اختلاق الأغاليط ونشرها، ونحن حينما ندرس تلك
التحولات عن كَثَب لا نُعتِّم أن نرى أن أسماء الأشياء هي التي تتغير، على حين نبصرأن
الحقائق التي تستتر خلف الألفاظ تداوم على الحياة ولا تتحول إلا بأقصى البطوء.
ونحن، لكي نثبت ذلك، ولكي نبيِّن في الوقت نفسه كيف يتم تطور الأمم البطيء،
نرى أن ندرس عناصر كل حضارة لدى مختلف الأمم؛ أي أن نجدِّد تاريخ هذه الأمم،
وقد حاولتُ هذا العمل الشاق في عدة مجلدات، فلا أفكر في العودة إليه هنا، وإنني حينما
أغضي عن العناصر الكثيرة التي تتألف منها إحدى الحضارات أختار أحدَها مثالًا؛ أي
أختار الفنون.
وقبل أن أبدأ في فصل خاص بدراسة التطور الذي يعتور الفنون عند انتقالها من
أمة إلى أخرى أقول بضع كلمات عن التحولات التي يعانيها مختلف عناصر الحضارة؛
وذلك لأثبت أن السنن التي تطبَّق على عنصرمن هذه العناصرتطبَّق على جميعها، وأن
فنون الأمم إذا كانت ذات نَسَب بمزاج هذه الأمم النفسي فإن اللغات والنُّظم والمعتقدات
وما إليها ذات نَسَب بهذا المزاج أيضًا؛ أي إنها لا تتغير ولا تنتقل من أمة إلى أخرى من
فَوْرها. 1
وقد تظهر هذه النظرية غريبة في أمر المعتقدات الدينية على الخصوص، وفي تاريخ
المعتقدات تجد أحسن الأمثلة لإثباتنا أنه يتعذَّر على الأمة أن تغيِّر عناصرحضارتها فجأة
كما يتعذَّر على الشخص أن يغير قامته أو لون عيونه.