الفصل الثالث
نظام مراتب العروق النفسي
إذا ما درسنا في كتاب تاريخ طبيعي أسُُسَ تقسيمِ الأنواع وجدنا من فورنا أن الصفات
الثابتة الأساسية التي يعيَّن بها كل نوع هي قليلة جدٍّا، فتكفي بضعة أسطر لعدِّها.
وعلة ذلك هو أن العالِم الطبيعي لا يبالي بغير الصفات الثابتة، غيرَ ناظرٍ إلى
الصفات المؤقتة، مع أن الصفات الأساسية تجرُّ سلسلة من الصفات الأخرى وراءها
حتمًا.
وقلْ مثلَ ذلك عن الصفات النفسية للعروق، ونحن إذا سلكنا سبيل التفصيل وجدنا
ما لا يحصيه عدٌّ من الاختلافات الدقيقة بين أمة وأخرى وبين شخص وآخر، ولكننا إذا
نظرنا إلى الصفات الأساسية وحدها لم نرَ غير عدد قليل منها في كل أمة، والأمثلةُ فقط
-والأمثلةُ هي ما نأتي به عما قليل - هي التي تدلنا بوضوح على تأثير هذه الصفات
الأساسية القليلة في حياة الأمم.
ولا يمكن عرض تقسيم نفسي للعروق إلا بالبحث المفصَّل في روح مختلف الأمم،
وهذا وحده يتطلب عدة مجلدات، وتراني أقتصر لذلك على بيان خطوطها الكبيرة.
وإني، حين أنظر إلى ما في العروق البشرية من الصفات النفسية العامة فقط، أرى
إمكانَ تقسيمِ هذه العروق إلى أربعة أقسام؛ وهي: العروق الابتدائية، والعروق الدنيا،
والعروق الوسطى، والعروق العليا.
والعروق الابتدائية هي التي لا تجد فيها أي أثر للثقافة، وهي التي ظلت في الدور
القريب من الحيوانية والذي جاوزه أهل عصر الحجر المنحوت من أجدادنا، ومن العروق
الابتدائية في الوقت الحاضر نذكر الفِيوجِيين والأستراليين.
وترى فوق العروقِ الابتدائية العروقَ الدنيا التي يعدُّ الزنوج عنوانًا لها على
الخصوص، وفي هذه العروق تجد بصيص حضارة، وبصيص حضارة فقط، وهذه
العروق لم تجاوز قط وجوه الحضارة الغليظة، وإن ورثت حضارات راقية بفعل
المصادفة، كما اتفق لأهل سان دُومِنْغ.
ونذكر من العروق الوسطى الصينيين واليابانيين والمغول والأمم السامية، فالعرب
والآشوريون والمغول والصينيون واليابانيون أبدعوا نماذج حضارات راقية لم يجاوزها
غير الأوربيين.
ويجب أن تُذكَر الأمم الهندية الأوربية بين العروق العليا على الخصوص، وهذه
الأمم هي التي أثبتت قدرتها على الاختراعات العظيمة في الفنون والعلوم والصناعة؛ سواء
أفي عصراليونان والرومان القديم، أم في الأزمنة الحديثة، ولهذه العروق ترى الحضارةَ
مدينةً بما انتهت إليه اليوم من المستوى العالي، ومن أيدي هذه العروق خرج البخار
والكهرباء، وأقلُّ هذه العروق ارتقاء، كالهندوس على الخصوص، قد بلغ في الفنون
والآداب والفلسفة درجةً لم يصل إليها المغول والصينيون والساميون قط.
وليس من الممكن خَلْطُ ما بين الأقسام الأربعة المذكورة؛ فالهُوَّةُ النفسية التي تفصل
بعضها عن بعض تظل واضحة، والصعوبة كل الصعوبة في تقسيم تلك الأقسام إلى
أقسام أخرى ثانوية. أجل، إن الإنكليزي والإسپاني والروسي من الأمم العليا، وترى
الفروق بين هؤلاء عظيمة جدٍّا مع ذلك.
ويجب لتعيين تلك الفروق أن يؤخذ كل شعب على حدة، وأن توصف أخلاقه، وهذا
ما سنفعله بعد قليل في أمر شعبين فنطبِّق عليهما مِنهاجَنا مُثبِتين أهمية نتائجه.
والآن لا نستطيع أن نفعل غير الإشارة باختصار إلى طبيعة العناصر الرئيسة
النفسية التي نتمكن بها من التفريق بين العروق.
ولا احتياج إلى الذهاب إلى الهمج الخُلَّص لنجد العروق الابتدائية والدنيا ما دامت
الطبقات الأوربية السفلى تَعْدِلُ الفطريين، والذي يُشَاهَدُ لدى تلك العروق على الدوام