فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 86

هو عجزُها عن التعقل؛ أي عجزها عن أن تضمَّ في دماغها الأفكار التي أسفرت عنها

الأحاسيس الماضية - أو الألفاظ التي تدل على هذه الأفكار - إلى الأفكار التي هي

وليدة الأحاسيس الحاضرة؛ وذلك للمقابلة بين الأفكارَيْن، ولتَبَيُّنِ ما بينهما من تشابه

واختلاف، وعن هذا العجز عن التعقل تنشأ سرعة تصديق عظيمة وفقدان تام لروح

النقد، وفي الإنسان الراقي تجد العكس، وفي الإنسان الراقي تجد قدرة عظيمة على ضم

بعض الأفكار إلى بعض، وعلى استخراج النتائج منها، وفي الإنسان الراقي تجد مَلَكة

النقد وروح الدقة ناميتين إلى الغاية.

وكذلك تتصف العروق الابتدائية والدنيا بضعف الانتباه وضعف التأمل إلى أقصى

حد، وبنموِّ مَلَكة التقليد وبعادة استخراج النتائج العامة الفاسدة من الأحوال الخاصة،

وبالعجز عن ملاحظة ما يؤدي إليه الترصُّد من النتائج المفيدة، وبالعجز عن استنباط

هذه النتائج، وبتقلُّب كبير في الأخلاق، وبغفلة عظيمة، ووحي الساعة الحاضرة هو دليل

هذه العروق، وهي - كعيسو (العيص) الذي هو مثال الرجل الابتدائي - تبيع مختارة

حقها في البِكرية القادمة في مقابل صحنٍ حاضر من العدس، وإذا ما عارض الإنسانُ

عاجلَه بآجلِه وكان ذا هدف فسار وراءه بثبات، فإنه يكون قد بلغ شأوًا بعيدًا من الرقي.

ومن شأن العجز عن البصر بالنتائج البعيدة للأعمال، ومن شأن العَطَل من كلِّ

دليل إلا دليل الساعة الحاضرة، أن يكون الفرد، والعرق أيضًا، محكومًا عليهما بالبقاء

في طور منخفض جدٍّا، والأمم، كلما عرفتْ أن تضبط غرائزها؛ أي كلما اكتسبت عزمًا،

أي كلما استطاعت أن تسيطر على نفسها، تكون قد أدركت أهمية النظام وضرورة

التضحية بالنفس في سبيل مَثَلٍ عالٍ والارتقاء إلى الحضارة، ولو وجب تقدير مستوى

الأمم الاجتماعي في التاريخ بمقياس وحيد لكانت درجة قابلية تلك الأمم للسيطرة على

اندفاعاتها اللاتَنَبُّهِيَّة هي ذلك القياس كما أرى، والرومان في القرون القديمة، والإنكليز

والأمريكيون في الزمن الحديث، هم عنوان الأمم التي اتفقت لها تلك الصفة الى أبعد حد؛

وفي هذه الصفة تجد سر عظمة هذه الأمم.

ومن اجتماع العناصر الروحية المختلفة المذكورة آنفًا ونموها نموٍّا متقابلًا يتألف

من الأمزجة النفسية ما يستعان به في تقسيم الأفراد والعروق.

ومن تلك العناصرالروحية ما هو خاصبالخُلق، ومنها ما هو خاصبالذكاء.

وتختلف العروق العليا عن العروق الدنيا بالخُلق كما تختلف عنها بالذكاء، وبالخُلق

-على الخصوص - تختلف بعض الأمم العليا عن بعض، ولهذا الأمر أهمية اجتماعية

عظيمة، فيجب بيانه بوضوح.

يتألف الخُلق من امتزاج مختلف العناصرالتي يطلِق عليها علماء النفسالمعاصرون

اسمَ المشاعر عادة؛ وذلك على نسب مختلفة، ومن بين تلك العناصرذات الشأن المهم أذكر

الثبات والنشاط وقابلية ضبط النفس بوجه خاص؛ أي الصفات المشتقة من الإرادة. ومن

عناصرالخُلق الأساسية نذكر الأدب أيضًا، وإن كان الأدب خلاصة مشاعر مركبة، وأقصد

بكلمة الأدب احترام القواعد التي تقوم عليها حياة المجتمع، وتدل حيازة الأمم أدبًا على

حيازتها قواعد ثابتة للسير وعدم ابتعادها عنها، وتختلف هذه القواعد باختلاف الأزمنة

والبلدان، ويلوح الأدب بهذا أنه كثير التغير، والأدب كثير التغير بالفعل، غير أنه يجب

أن يكون أدب الأمة في زمن معين غير متغير، وإذ كان الأدب وليد الخلق، لا الذكاء، لا

يكون وطيدًا إلا إذا صار وراثيٍّا، ومن ثمَّ غير شعوري، وعظمة الأمم بوجه عام خاضعة

لمستوى أدبها على الخصوص.

وقد تتغير الصفات الذهنية بالتربية تغيرًا قليلًا، وتتفلَّت الصفات الخلقية من

سلطان التربية تفلتًا تامٍّا تقريبًا، وعندما تؤثِّر التربية في الصفات الخلقية لا يكون هذا

التأثير إلا عند ذوي الطبائع المحايدة الذين يكادون يكونون عاطلين من الإرادة والذين

يسهل عليهم أن يميلوا إلى حيث يُسَاقون، وترى هذه الطبائع المحايدة لدى الأفراد، وهي

قلما تُرى في أمة بأسرها، وهي إذا وُجدت في الأمة لا يكون وجودها ذلك إلا في أيام

انحطاطها.

ومن السهل أن تنتقل اكتشافات الذكاء من أمة إلى أخرى، وأما الصفات الخُلقية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت