فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 86

فلا تنتقل، وهذه هي العناصر الأساسية الثابتة التي يختلف بها مزاج الأمم العليا

النفسي، وتمثِّل الاكتشافاتُ المدينةُ للذكاء تراثَ البشرية المشترك، ويتألَّف من صفات

الخُلق ومساوئه في كل أمة تراثُ هذه الأمة الخاص، ويُعَدُّ الخُلق كالصخرة الثابتة التي

تلطمها الأمواج يومًا بعد يوم في عدة قرون قبل أن تتمكن هذه الأمواج من ثَلْم أطرافها،

ويعدل الخُلق عنصرالنوع الراسخ، وزَعْنَفَةَ السمك، ومِنْقارَ الطير، وناب الضاري.

وخُلق الأمة، لا ذكاؤها، هو الذي يعيِّن تطورها في التاريخ وينظم مصيرها، وهو

يوجد، دائمًا، خلف الأهواء الظاهرة للمصادفة العاجزة، وللعناية السُّبْحانية الوهمية،

وللقَدَر الحقيقي الذي يسيِّر الرجال في أعمالهم وَفْقَ مختلف العقائد.

وللأخلاق نفوذ ذو سلطان قوي على حياة الأمم، على حين يبدو الذكاء ذا نفوذ

ضعيف في الغالب، أجل، كان للرومان في دور الانحطاط ذكاءٌ أرفعُ من ذكاء أجدادهم

الأشداء، بيد أنهم كانوا في ذاك الدور قد أضاعوا صفاتهم الخُلقية من ثبات ونشاط

وعناد واستعداد للتضحية في سبيل مَثَلٍ عالٍ، ومن احترام وثيق للقوانين؛ أي أضاعوا

هذه الصفات التي كانت سبب عظمة أجدادهم، وبفضل الخُلق يضع ستون ألف إنكليزي

تحت نِيرهم 250 مليون هندوسي، مع أن كثيرًا من الهندوس يعدل الإنكليز ذكاءً على

الأقل، ومع أن كثيرًا من الهندوس يفوق الإنكليز إلى ما لا حد له من الذوق الفني وعمق

المباحث الفلسفية. وبالخُلق غدا الإنكليز على رأس أعظم إمبراطورية استعمارية عرفها

التاريخ، وعلى الخُلق تقوم متانة المجتمعات والنُّظم والإمبراطوريات، والخُلق هو الذي

يجعل الأمم تشعر وتسير، والأمم لم تظفر قط بكبير طائل من إعمال عقلها وقدح زناد

فكرها كثيرًا. 1

ومن مزاج العروق النفسي يُشتق تصورها للعلم وللحياة، ومن ثمَّ سيرها، وسنأتي

بأمثلة على ذلك عما قليل، والفرد، إذ يتأثر بالأمور الخارجية من بعض الوجوه، يُحسُّ

ويعمل على وجه يختلف عما يشعر به الأفراد الذين لهم مزاج نفسي مختلف عن مزاجه،

ويفكرون فيه ويصنعونه، وهذا يؤدي إلى النتيجة القائلة: إن الأمزجة النفسية القائمة

على مُثُل شديدة الاختلاف لا يدرك بعضُها كُنْهَ بعض، وما كان من تنازع العروق

المتأصل مصدرُه ما بين هذه العروق من تناقض في الأخلاق، ومن المتعذر فهم شيء من

التاريخ ما لم يقم في الذهن، دائمًا، ذلك المبدأ القائل: إن العروق المختلفة لا تقدر على

الشعور ولا على التفكير ولا على السير على طِراز واحد. فلا يدرك بعضها أمر بعض لهذا

السبب، ومما لا شك فيه أن في لغات مختلف الأمم ألفاظًا مُشاعَة فتظن هذه الأمم أن هذه

الألفاظ مترادفة، بيد أن هذه الألفاظ المشاعة تثير من المشاعر والخيالات وطُرُز التفكير

ما يباين التي تساور سامعيها، ولا بد من العيش بين أمم ذات مزاج نفسي مخالف

لمزاجنا مخالفة محسوسة لتَبَيُّنِ مدى الهوَّة التي تفصل بين أفكار مختلف الأمم، حتى

لو وقع الاختيار في تلك الأمم على أناس نالوا تربيتنا ويتكلمون بلغتنا، ويمكن الباحث،

من غير أن يحتاج إلى بعيد الأسفار، أن يستجليَ ذلك عند تحقيقه الفرق النفسي الكبير

بين الرجل المتمدن والمرأة؛ ولو كانت هذه المرأة عظيمة التعليم، وقد يكون هذان ذَوَيْ

مصالح متماثلة ومشاعر متماثلة، ولكنهما لا يتشابهان في تسلسل أفكارهما أبدًا، فهما

قد فُطرا على مِثَالَيْن بلغا من التباين ما يتعذَّر أن يتأثرا معه على وجه واحد بالأمور

الخارجية، وما بين منطقهما من اختلاف يكفي لإحداث هوة بينهما لا يمكن اقتحامها.

وما بين مزاج مختلف العروق النفسي من هُوَّة يوضح لنا السبب في أن الأمم العليا

لم تُوَفَّق قَطُّ لحمل الأمم المتأخرة على اعتناق حضارتها، وما كان من الرأي الشائع

القائل إن التعليم يمكنه أن يحقق مثل هذا الأمر هو من أشأم الأوهام التي صدرت عن

نظريِّي العقل الصِّرْف، ولا مِرَاء في أن التعليم يمنح الشخص الذي وُضِع في أدنى درجات

السلم البشري جميع ما لدى الأوربي من المعارف بفضل ما يكون عند أحط الأفراد

من الذاكرة التي لم تكن مقصورة على الإنسان، ومن السهل أن يُجْعَلَ من الزنجي أو

الياباني محاميًا أو حاملًا لشهادة البكالوريا، بيد أن ذلك لا يعطيه سوى طِلاء سطحي

غير مؤثر في مزاجه النفسي، وإنما الذي يعجز التعليم عن منحه إياه هو ما يتصف به

الغربيون من وجوه تفكير ومنطق، ومن أخلاق على الخصوص؛ لصدوره عن الوراثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت