تطبيق ما جاء في هذا الكتاب من المبادئ على بعض حوادث الحرب الأوربية
نشر هذا الكتاب للمرة الأولى منذ عشرين سنة، ولم تَنَلْهُ يدُ التغيير قط في تلك الأثناء،
وكانت غايته تعيين بعضالسنن النفسية لتطور الأمم.
وما كان ليفترضحينئذ أن انقلابًا عالميٍّا سيجيء مصدِّقًا لما اشتمل عليه هذا الكتاب
من السنن التي استنبطها فيلسوف من عقدة التاريخ.
وتدل تلك السنن على أن عددًا قليلًا من العوامل النفسية الثابتة يسيطر على حياة
الأمم فضلًا عن سيطرة بعضالمؤثرات التي هي وليدة تقدم الحضارة، ويُرى من خلال
الزمان والمكان تأثير تلك السنن في كل زمان ومكان، وكان لتلك السنن الأثر البالغ في قيام
أعظم الدول، وسقوط هذه الدول.
ولم تكن القوى النفسية التي لها ذلك التأثير الكبير صادرة عن العقل، وهذه القوى
هي التي تسيطر على جميع العقول، وفي الكتب وحدها تجد أن المعقول يقود التاريخ.
وإذ كانت علل ما يملأ حياة الأمم من اصطراع غريبةً عن العقل فإنك ترى أن أي
تقدم في العلم لا يلطفضراوته، وعلى ما تبصرمن نمو العقل باتساع أفق المعرفة تجد
المشاعر والأوهام والشهوات التي سيرت الناس منذ دَوْرِ الكهوف الأولى ظلت ثابتة كما
هي، فالحق أنه لا دَوْرَ للحقد والحب والحرصوالطمع والعُجْبِ.
والأمم - وهي لا كبير تأثير للعقل فيها - مسيَّرة بأخلاق عرقها؛ أي بمجموع
المشاعر والاحتياجات والعادات والرغبات التي هي دعائم روحها الأساسية، وتَمُنُّ هذه
الروح القومية على الأمم بثبات دائم مع تقلبات الحوادث على الدوام.
وهنا نلمس سرالتاريخ، وهنا نلمس القوى الخفية التي توجه مجراه.
والعرق بالحقيقة هو الذي يعيِّن الوجه الذي تسير به الأمم بفعل الحوادث وتقلبات
البيئة.
وتهيمن روح العروق على مقادير الأمم حين تسيطر على النظم والقوانين وعلى عزائم
الطغاة.
وتعين معرفة روح العروق على حل ألغاز التاريخ، وتخبرنا معرفة روح العرق
بأسباب العظمة والانحطاط، وبالعلة في نماذج أمم وعجز أمم عن ذلك، والعرق هو حجر
الزاوية الذي يقوم عليه توازن الأمم، والعرق هو الذي يعين الحد النفسي لطموح الفاتحين
ولما يبتدعونه من أخيلة العظمة والتصدر.
وشأن العرق يرْسُخ في حياة الأمم رسوخًا عظيمًا على الدوام، فلا يجوز جهله، وعلى ما
تراه من بيان الكتب الدينية القديمة لقوة هذا الشأن تبصر الثوريين الغافلين عن الماضي
يجادلون في هذه القوة.
بَيْدَ أن على من يرغب في اكتناه مبدأ العِرق أن يعرف ما أسفر عنه علم الحياة
الحديث من الاكتشافات.
ويكفي الاصطراع الأوربي لإثبات خطأ النظريين الذين يحاولون إنكار روح العروق،
ومصدر هذا الاصطراع الرئيس بالحقيقة هو ادعاء إحدى الأمم بالصدارة لما افترضته من
خصال عرقها فاعتقدت أنها مدعوة إلى السيطرة على العالم، ومن أسباب هذا الاصطراع
أيضًا ما كان من الحقد الموروث المُفَرِّق بين أمم مختلفة الأصول؛ كالنمسويين والصرب
والروس على الخصوص.
وينشأ ذلك الاصطراع، بوجه خاص، عن الأوهام التي نبتت في روح مؤرخي الألمان
ومؤلفيهم بفعل تصورهم لمبدأ العرق تصورًا خاطئًا.
ووقع ذلك التصور في زمن كان نقص المعارف الأنتروپولوجية فيه يؤدي إلى الظن
بأن بعض العروق في أوربة ظل خالصًا من شائبة الاختلاط مع تعاقب القرون.
ولو لم تظل الأفكار التي نشأت عن النظريات الوهمية قائمة بعد نقض هذه