فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 86

النظريات ما وجدتَ خطأ كهذا باقيًا في أيامنا، والحق أن ما أدت إليه الأنتروپولوجية

الدقيقة من ملاحظات يُثبت عدم وجود عروق خالصة لدى الأمم المتمدنة.

أجل، لا يزال كثير من البقاع في إفريقية وآسية مشتملًا على عروق خالصة، غير أن

أوربة لا تحتوي سوى ما سميته بالعروق التاريخية، وهذه العروق التاريخية هي وليدة

انصهارات مختلفة نشأت عن مصادفات الهجرة والفتوح، وإذا كانتصفات هذه العروق

النفسية الموروثة قد غدت كثيرة الثبات فلأن حواصل مثل تلك الانصهارات قد خضعت في

قرون كثيرة لحياة جامعة منطوية على نظم مشتركة، وعلى مصالح مشتركة بوجه خاص.

وإذ تكررت مؤثرات كتلك منذ الدور الذي تخلصت فيه الأمم من مغازي الفتح،

فانتهت إلى الوَحدة السياسية، فإنها أوجبت حدوث أخلاق العروق الحاضرة، واليوم قد

توطدت هذه الأخلاق لدى معظم الأمم، وإن لم يرجع زمن ظهورها إلى أجيال ما قبل

التاريخ.

وإذ إن صفات العروق النفسية متباينة أشد التباين فإنها تتأثر تأثرًا مختلفًا بفعل

المؤثرات الواحدة، وفي الغالب ينشأ عن ذلك عدم تفاهم مطلق، وبدا عدم التفاهم هذا منذ

أدت سهولة الصلات السريعة إلى تَمَاسِّ الأممِ.

وكانت النتيجة الأولى لهذا التقارب هي إظهار الفروق النفسية التي تفصل بين الأمم

وما ينشأ عن ذلك من تباين في إدراك الأمور.

وأتت الحرب الأوربية بدليل آخر على درجة ما يمكن أن يكون من تباين نفسي بين

أمم ذات حضارة واحدة في الظاهر صاحبة أفكار متقابلة منذ طويلِ زمنٍ حائزةٍ لبعض

المصالح المتماثلة.

وتلك الأمم غير متعارِفة بالحقيقة، وليست حكوماتها أحسن معرفة لها من ذلك مع

ما يزودها به من المعلومات سفراؤها وملحقوها العسكريون ووثائقها الكثيرة.

وكانت ألمانية تجهل روح إنكلترة، ولم يكن جهل فرنسة لروح ألمانية أقل من ذلك،

وخفيت نفسية سكان البلقان على معظم السياسيين الأوربيين، فاقترف هؤلاء السياسيون

أفدح الأغاليط لما كان من تفسيرهم لتلك النفسية بأفكارهم التي هي أفكار رجال متمدنين،

فلروح العروق من الحدود ما يتعذر اقتحامه.

وعدم الإدراك ذلك لأنه يسود ما بين مختلف الأمم من صلات، ونحن لأننا نود أن

نحكم في أمر تلك الأمم بمشاعرنا وأفكارنا الشخصية، كان من الصعب أن يُبْصَرَ سَيْرُ

الأمم الأجنبية وسادتها في حال ما، ولنا في الحرب الأوربية عدة أمثلة؛ ومنها أن ما لدى

أولياء الأمور بألمانية من غفلة نفسية أدى إلى تأليب بلاد كإنكلترة وإيطالية عليها ظانين

أن هذه البلاد مما يجب أن يُعْتَمَدَ على صداقته أو حياده.

وما كان لروح التُّوتُون (الألمان) النفعية أن تُبصِرأن احترام إمضاء المعاهدات، الذي

هو أساس جميع الحياة التجارية بإنكلترة، مما يوجب قيام هذه الأمة المسالمة ضدَّ ألمانية،

وأن اضطرار بلجيكة الضعيفة إلى الدفاع عن نفسها يحملها على الوقوف في وجه قاهرها

القوي.

وعدم إدراك مثل هذا تجلى فينا أيضًا؛ فقد نسينا ما قد يكون لروح الأموات من

السلطان الهائل على الأحياء، فاعترانا الدَّهَش من صولة تلك الجيوش الهمجية التي

حرَّقَت المدن والآثار بدم بارد، وقتلت السكان العزل من السلاح بدم بارد، وما كان الألمان

في ذلك إلا مكرِّرين أعمال أجدادهم في ذلك. نعم، لاح أن الحضارة ألانت طبائع الألمان، بَيْدَ

أن ما كان منسيٍّا من القسوة في أيام السلم، لتعذُّر إبدائه، لم يزُل، فظل التراث سليمًا.

ومن الطبيعي أن تظل المعضلة التي أثارها اختلاف العروق وما يَنجُم عنه من نفورٍ

باقيَيْن بعد الحرب، فيكون أشدُّ المصاعب في المستقبل تعديلَ زُمَر الأمم المتحاربة في جميع

أوربة، ولا سيما بلاد البلقان.

وتبدو صعوبة تلك المعضلة عند النظر إلى وَحدة الدين واللغة والمصالح بأشدَّ مما

قد تبدو في قيام القومية على العرق وإن كان على وجهٍ أبسط من ذلك في هذه الحال، ومما

يؤسف عليه في أمر دوام السلم الأوربية القادمة أنْ كان من النادر اجتماع هذه العناصر

الأربعة في أمة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت