فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 86

الفصل الرابع

تفاوت الأفراد والعروق التدريجي

لا تمتاز العروق العليا من العروق الدنيا بصفاتها النفسية والتشريحية وحدها، بل تمتاز

منها باختلاف العناصر التي تتألف منها أيضًا، وفي العروق الدنيا يكون جميع الأفراد

من أيِّ الجنسين على مستوًى نفسي متماثل تقريبًا، وهؤلاء الأفراد؛ لما بينهم من تشابه،

تجدهم عنوانًا للمساواة التامة التي يحلم بها الاشتراكيون في الوقت الحاضر، وبالعكس

تجد السُّنَّةَ عند العروق العليا في تفاوت أفراد هذه العروق وجنسَيْها تفاوتًا عقليٍّا.

وكذلك لا يُقاس مدى الفروق بين الأمم بالمقابلة بين طبقاتها الوسطى، بل بالمقارنة

بين طبقاتها العليا، فالهندوس والصينيون والأوربيون لا يتفاوتون بطبقاتهم الوسطى

إلا قليلًا، وهم بالعكس يتفاوتون بطبقاتهم العليا تفاوتًا عظيمًا.

وكلما تقدمت الحضارة سارت العروق، وكذلك أفراد العروق العليا على الأقل،

نحو التفاوت شيئًا فشيئًا، وتؤدي الحضارة الحاضرة إلى تفاوت الناس بالتدريج، لا إلى

تساويهم ذهنيٍّا؛ وذلك خلافًا لنظرياتنا في المساواة.

والحق أن من أهم نتائج الحضارة من جهة هو تفاوت العروق بعمل ذهني تفرضه

الحضارة على الشعوب التي بلغت درجة رفيعة من الثقافة فيعظُم كل يوم، وهو من

جهة أخرى إحداث تفاوت تدريجي في مختلف الطبقات التي يتألف منها كل شعب

متمدن.

وتقضي شروط التطور الصناعي الحديث على الطبقات الدنيا في الأمم المتمدنة

بالعمل الضيق الذي يحطُّ ذكاءها بدلًا من تنميته، ومنذ مئة سنة كان العامل صانعًا

حقيقيٍّا قادرًا على صنع أية آلة كالساعة مثلًا، واليومَ غدا العامل صانعًا بسيطًا لا يصنع

غير قطعة واحدة فيقضيحياته في ثَقْبِ الثُّقُوب المتماثلة، أو صَقْلِ الأداة ذاتِها، أو سَوْقِ

الآلة نفسها، وهذا ما يوجب هزال ذكائه بسرعة، وعكسُ ذلك أمرُ المستصنِع أو المهندس

الذي تضغطه الاكتشافات والمنافسة فتَحْفِزُه إلى جَمْعِ عدد من المعلومات وروح المبادرة

والاختراع يزيد عما كان يجمعه منذ قرنٍ بدرجات، وإذ كان دماغه يعمل باستمرار على

هذا الوجه فإنه يخضع للسُّنَّةِ المسيطرة على جميع الأعضاء؛ أي إنه ينمو مقدارًا فمقدارًا.

وكان توك?يل قد أشار إلى ذلك التفاوت التدريجي بين الطبقات الاجتماعية في زمن

كلما أوُغِلَ في»: كانت الصناعة فيه بعيدة من درجة التقدم التي انتهت إليها اليوم فقال

تطبيق مبدأ توزيع الأعمال غدا العامل أشد ضعفًا، وأضيق عقلًا، وأقل استقلالًا مما كان

«. عليه، وكلما تقدمت الصناعة تقهقر الصانع، فزاد ما بين العامل ورب العمل من فَرْق

واليومَ يمكن عدُّ الأمة العليا من الناحية الذهنية كهرم مدرَّج يتألَّف من أعرض

أقسامه طبقات الشعب الدنيا، ويتألف من درجاته العليا طبقات الشعب الذكية، 1 وتتألف

ذِرْوَتُه من صفوة قليلة من العلماء والمخترعين والمتفننين والكتَّاب، وهذه الزمرة الأخيرة،

وإن كانت صغيرة، إذا ما قيست ببقية الشعب، هي ما يقوم عليه وَحده مستوى البلد في

سُلَّم الحضارة الذهني، وتكفي إزالتها لزوال كل ما فيه مَجْدِ الأمة، ومن الصواب قول

إذا ما أضاعت فرنسة بغتة الخمسين الأوَُل من كلٍّ من علمائها ومتفننيها»: سان سيمون

ومستصنعيها وزُرَّاعها غدت جسمًا بلا روح، وجثة بلا رأس، وهي إذا أضاعت جميع

«. موظفيها لم يُصِبها من وراء ذلك غيرضرر يسير

وكلما تقدمت الحضارة زاد التفاوت بين أقصىطبقات الشعب، ويعظم هذا التفاوت

على نسبة هندسية في زمن ما، ولو سار الزمن طليقًا ولم تَعُقْهُ عوامل الوراثة لَرُئِيَتِ

المسافةُ بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا من الناحية الذهنية قد عظمت فغدت

كالمسافة التي تفصل الأبيض عن الزنجي، أو التي تفصل الزنجي عن القرد.

بيد أن هنالك أسبابًا كثيرة تحول دون تمام ذلك التفاوت الذهني بين الطبقات

الاجتماعية، مهما بلغ، بتلك السرعة التي يمكن القول بها نظريٍّا، والواقع، وهو أول تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت