فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 86

الباب الثالث

اشتقاق تاريخ الأمم من أخلاقها

الفصل الأول

كيف تُشتق النظم من روح الأمة

يمكن عدُّ التاريخ عَرْضًا بسيطًا للنتائج الصادرة عن مزاج العروق النفسي، ويشتق

التاريخ من ذلك المزاج كما تُشتق أعضاء التنفس في الأسماك من حياتها المائية، ويغدو

تطور التاريخ، بغير سابق معرفة لمزاج الأمة النفسي، خَلْطًا من الحوادث التي لا سَيَّدَ

لها سوى المصادفة، وعندما نعلم روح الأمة تبدو حياتها بالعكس نتيجة منتظمة مقدَّرة

لصفاتها النفسية، ونجد في جميع مظاهر العيش لدى الأمة دائمًا روح العرق الثابتة

الناسجة لمصيره الخاص دائمًا.

ويبدو سلطان روح العرق القاهر واضحًا في النظم السياسية على الخصوص، ومن

السهل إثبات ذلك ببعض الأمثلة.

ولننظرْ إلى فرنسة قبل كل شيء، لننظر إلى هذا البلد الذي خضع لأعمق الانقلابات،

هذا البلد الذي يلوح أن النُّظم السياسية تغيرت فيه تغيرًا أساسيٍّا في سنين قليلة، هذا البلد

الذي تبدو الأحزاب السياسية فيه مختلفة أشد الاختلاف، ولو نظرنا من الناحية النفسية

إلى تلك الآراء البادية التناقض، وإلى تلك الأحزاب المتناحرة، لعلمنا أنها في الحقيقة

أساس مشترك فيه متماثل ممثِّلٌ لهدف عرقنا الأعلى تمثيلًا كاملًا، ولا غَرْوَ، فالمتشددون

والجَذْرِيُّون والمَلَكِيون والاشتراكيون عندنا، وإن شئت فقل: جميع المناضلين عن أشد

المذاهب تباينًا عندنا، يتعقَّبون غاية واحدة بعناوين متباينة، وتلك الغاية هي ابتلاع

الدولة للفرد، وكل ما يرغب فيه الجميع بحرارة واحدة هو النظام المركزي القيصري

القديم؛ أي الدولة المُوَجِّهة لكل شيء، والمنسِّقة لكل شيء، والمستغرقة لكل شيء، والمنظمة

لحياة أبناء الوطن في أدق جزئياتها مُعْفِيَة إياهم عن إبداء أي بصيص من التأمل

والمبادرة، وسواء أَدُعِيَ السلطان الذي يكون على رأس الدولة ملكًا أم قيصرًا أم رئيسًا أم

غير ذلك، وذلك السلطان مهما كان أمره، يمثِّل مثلًا واحدًا بحكم الضرورة، يمثِّل ذلك

المثل الذي يعبِّر عن مشاعر روح العرق، والعرق لا يطيق مثلًا سواه.

وإذا كانت شدة انفعالنا، وملامتنا المتصلة ضد الحقائق الحاضرة، وفكرتنا في أن

تغيير الحكومة يجعلنا أوفر حظٍّا، أمورًا تحفزنا إلى تبديل نظمنا على الدوام، فإن إرادة

الأموات التي تقودنا تقضي علينا بألا نغير غير الألفاظ والظواهر، وقد بلغ ما في روح

العرق من قدرة لا شاعرة مبلغًا لا نبصر به حتى الوهم الذي نذهب ضحيته.

ولا جرم أننا إذا لم ننظر إلى غير الظواهر لم نجد ما هو أكثر اختلافًا بين النظام

القديم والنظام الذي أسفرت عنه ثورتنا الكبرى، وهذه الثورة لم تصنع مع ذلك غير

إدامة التقاليد الملكية من غير قصد متمَّة لنظام المركزية الذي بُدئ به في العهد الملكي منذ

بضعة قرون، ولو بُعث لويسُ الثالثَ عشرَ ولويسُ الرابعَ عشرَ من قبريهما ليحكما فيما

صنعته الثورة الفرنسية لأنَْحَيَا باللائمة - لا ريب - على القسوة التي اتخذت في سبيل

تحقيقه، ولكن مع عدِّهما إياه ملائمًا لتقاليدهما وبرنامجهما ومع اعترافهما بأنهما لو

فَوَّضَا إلى وزيرٍ تنفيذ هذا البرنامج ما كُتب له نجاح أحسن مما وقع، وقد كانا يبينان

كيف أن أقل الحكومات التي عرفتها فرنسة ثورةً هي حكومة الثورة الفرنسية، وقد كانا

يحققان، فضلًا عن ذلك، أنه لا نظام من النُّظم التي تداولت فرنسة منذ قرن حاول مسَّ

ذلك العمل ما دام ثمرةَ تطوُّر منظَّم وإدامةً للمثل الملكي الأعلى وعنوانًا لعبقرية العرق،

ومما لا مراء فيه أن ذينك الطيفين الشهيرين يبديان؛ إذ ذاك، شيئًا من النقد بسبب

تجربتهما العظيمة، فيلاحظان، على ما يحتمل، أن إقامة الطائفة الإدارية مقام الطائفة

الأريستوقراطية الحكومية يعني إحداثًا في الدولة لسلطة لا شخصيةٍ مرهوبة أكثر من

طبقة الأشراف القديمة لحيازتها، وهي تتفلت من التغييرات السياسية، تقاليدَ وروحًا

طائفية وعدمَ تبعةٍ وديمومةً؛ أي سلسلة من الأحوال التي تؤدي إلى جعلها السيد الوحيد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت