وأعتقد أنهما لا يصران على هذا الاعتراض مع ذلك عادِّين الأمم اللاتينية - وهي قليلة
المبالاة بالحرية، كثيرة الطمع في المساواة - أنها تحتمل بسهولة ضروب الاستبداد على
أن يكون الاستبداد بأنواعه غير شخصي، وقد يجدان أيضًا شيئًا من الإفراط والطغيان
في الأنظمة التي لا يحصيها عدٌّ، وفي ألوف القيود التي تحيط اليوم بأدق شؤون الحياة،
ومما قد يذكرانه أن الدولة إذا ما ابتلعت كل شيء، ونظَّمت كل شيء، وجرَّدت أبناء
الوطن من كل مبادرة، أصبحنا في سواء الاشتراكية من تِلْقاء أنفسنا ومن غير احتياج إلى
ثورة جديدة، ولكنهما يبصران بالنور الإلهي الذي يضيء الملوك، أو يبصران عند عدم
هذا النور بالنور الرياضي القائل: إن المعلولات تزيد على نسبة هندسية عند وجود العلل
ذاتها، أن الاشتراكية ليست سوى آخر تعبير للفكرة المَلَكية التي لم تكن الثورة الفرنسية
غير طور مُعَجِّل لها.
وهكذا نجد في نُظُم الأمة الأحوال العَرَضية - التي ذكرناها في أول هذا الكتاب -
والسنن الدائمة التي حاولنا تحديدها، والأحوال العَرَضية تُولِّد الظواهر على الخصوص،
والسنن الأساسية المشتقة من أخلاق الشعوب تولِّد مصير الأمم.
ويمكننا أن نضيف إلى المثال السابق مثال عرق آخر، مثال العرق الإنكليزي الذي
يختلف بمزاجه النفسي أشد الاختلاف عن عرقنا، وبهذا الأمر وحده تبتعد نُظُمه ابتعادًا
أساسيٍّا عن نُظُمنا.
وسواء أكان على رأس الإنكليز ملك كما في إنكلترة، أم رئيس كما في الولايات المتحدة،
تتَّصف حكومتهم، دائمًا، بالمميزات الأساسية الآتية؛ وهي: تقليل عمل الدولة إلى أقصى
حد، وزيادة عمل الأفراد إلى أبعد غاية؛ أي عكسُ المثل اللاتيني الأعلى، فتُنْشَأ المرافئ
والقنوات والخطوط الحديدية ودور التعليم إلخ، وتدار بمبادرة الأفراد، لا بمبادرة
الدولة، 1 وما كانت الثورات أو الدساتير أو الطغاة لتمنح الأمة ما لا تملكه، أو تنزع منها
ما تملكه، من الصفات الخلقية التي تُشتق نُظُمها منها، ومما كُرِّر غيرَ مرة أن الأمم
تُعْطَى الحكوماتِ التي تستحقها، وهل لنا أن نتصور للأمم حكومات أخرى؟
وسنبين بمختلف الأمثلة أن الأمة لا تتفلَّت من نتائج مزاجها النفسي، وأنها إذا ما
تفلَّتت منها كان ذلك لوقت قصير، وذلك كالرمل الذي تثيره الزوبعة فيبدو فِراره من
سنن الجاذبية ذات حين، ومن الوهم الخَطِر أن يُعتقد أن الحكومات والدساتير ذات
تأثير في مصير الأمة، ومصير الأمة في يدها، لا في الأحوال الخارجة عنها بالحقيقة، وكل
ما يمكن الحكومة أن تُسْأَلَ عنه هو أن تعبِّر عن مشاعر الأمة التي تُدْعَى إلى الهيمنة
عليها وعن أفكار هذه الأمة. والحكومة هي صورة الأمة على العموم، ولا يقال عن أية
حكومة، ولا عن أي نظام: إنهما طيِّبان أو فاسدان مطلقًا، ومن المحتمل أن كانت حكومة
ملك الداهومي صالحة للأمة التي كانت تسوسها، وقد يكون أحكم الدساتير الأوربية
سيئًا لهذه الأمة، ومن المؤسف أن يجهل رجال الدولة ذلك فيَرَوْن أن الحكومة سِلْعَةٌ
للتصدير، وأن من الممكن حكم المستعمرات بنُظُم أمِّ الوطن، وهذا يعدل محاولة إقناع
السمك بالعيش في الهواء بحجة أن التنفس الهوائي هو تنفس جميع الحيوانات العليا.
والأمم المختلفة لاختلاف مزاجها النفسي وحده لا تبقى تحت نظام واحد لطويل
زمن، وما كان الإيرلندي والإنكليزي، أو السلافي والمجري، أو العربي والفرنسي، ليخضعا
لقوانين واحدة إلا بأقصى الصعوبات ومتصل الثورات، ولم تكن الإمبراطوريات الكبري
المشتملة على أمم مختلفة لتعيش إلا عيشًا موقتًا على الدوام، وإذا ما كُتب لتلك
الإمبراطوريات الكبرى بقاء طويل، كما كُتب لإمبراطورية المغول ثم لإمبراطورية الإنكليز
في الهند؛ فذلك لأن العروق المتقابلة هي من الكثرة والتباين والتنافس بحيث لا تفكر في
الاتحاد ضد الأجنبي؛ وذلك لأن سادتها الأجانب لهم من الغرائز السياسية الصادقة ما
يحترمون به عادات الأمم المغلوبة ويدَعُونها تعيش به خاضعة لشرائعها الخاصة.
ولو أريد بيان جميع النتائج الصادرة عن مزاج الأمم النفسي لكُتبت عدة مجلدات
ولجُدد التاريخ بأسره، ويجب أن يكون البحث العميق في ذلك المزاج النفسي أساس
السياسة والتربية، ولو كانت الأمم تستطيع أن تتفلَّت من مقادير عرقها، ولو كان صوت
الأموات المتجبر غير خانق لصوت العقل، لصان الأمم ذلك البحث من أغاليط كثيرة