الفصل الثاني
خلاصات عامة
ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أنه ليس سوى خلاصة قصيرة، سوى إجمالٍ تركيبيٍّ
للمجلدات التي خصصناها لتاريخ الحضارات، فمن الصعب، إذن، تكثيف الأفكار التي
اشتمل عليها تكثيفًا آخر، وتراني أحاول، مع ذلك، أن أعرض المبادئ الأساسية التي تنمُّ
على فلسفة هذا الكتاب في قضايا موجزة إلى الغاية:
لكل عرق صفات نفسية ثابتة ثبات الصفات الجثمانية تقريبًا، والنوع النفسي كالنوع _
التشريحي، لا يتحول إلا ببطء عظيم.
يُضاف إلى الصفات النفسية الثابتة الموروثة التي يتألف من اجتماعها مزاج العِرق _
النفسي عناصرُ ثانويةٌ ناشئة عن مختلف تغيرات البيئات، وذلك كما يحدث لدى جميع
الأنواع التشريحية، وتتجدد تلك العناصر الثانوية بلا انقطاع؛ فيكون للعرق بذلك
تغير ظاهرٌ على شيء من الاتساع.
لا يمثِّل المزاج النفسي للعرق خلاصة أفراده الأحياء وحدهم، بل يمثِّل، على الخصوص، _
المزاج النفسي للأجداد الكثيرين الذين أعانوا على تكوينه. والأمواتُ، لا الأحياء، هم
الذين يمثلون أهم دور في كِيان الأمة، والأموات هم موجدو أدب الأمة وعوامل سيرها
اللاشعورية.
تُلازم الفروقُ التشريحية العظيمة التي تَفْصِل بين مختلف العروق البشرية الفروقَ _
النفسية التي لا تقل عنها أهمية، والعروق، إذا ما قابلنا بين ذوي المستوى المتوسط
من أبنائها، بدت الفروق النفسية بينها ضعيفة في الغالب، وتبدو هذه الفروق عظيمة
عند المقابلة بين أعلى العناصر في تلك العروق، فهنالك يُرى أن الذي يميز العروق
العليا من العروق الدنيا على الخصوص هو اشتمال العروق العليا على ما لا تحتويه
العروق الدنيا من ذوي الأدمغة النامية إلى الغاية.
تسود الأفراد الذين تتألف منهم العروق الدنيا مساواة واضحة، والعروق، كلما ارتقت _
في سلم الحضارة، اختلف أفرادها شيئًا فشيئًا، ويتجلى أثر الحضارة المحتوم في تفاوت
الأفراد والعروق، فإلى التفاوت الزائد، لا إلى المساواة، تسير الأمم إذن.
حياة الأمة وجميع مظاهر حضارتها صدى لروحها، وهما دلائل منظورة لأمر حقيقي _
غير منظور، وما الحوادث الخارجية إلا صورة ظاهرة لِلُّحْمَةِ الخفية التي تُعَيِّنُهَا.
أخلاق الأمة على الخصوص، لا المصادفة ولا الأحوال الخارجية ولا النُّظم السياسية، _
هي التي تمثل الدور الأساسي في تاريخها.
بما أن عناصرحضارة الأمة دلائل خارجية على مزاجها النفسيوعنوان طُرُز لإحساسها _
وتفكيرها فإنها لا تنتقل، من غير تغيير، إلى أمم أخرى ذات أمزجة مختلفة عن مزاجها،
والعناصرالوحيدة التي يمكن أن تنتقل هي الأشكال الخارجية السطحية التي لا أهمية
لها.
تؤدي الفروق العميقة التي تفصل بين الأمزجة النفسية لمختلف الأمم إلى تَبَيُّنِ هذه _
الأمم للعالم الخارجي على وجوه شديدة التباين، وينشأ عن هذا شدة اختلافها في طُرُز
الشعور والتمييز والسَّيْر، ومن ثم اختلافها في جميع المسائل عند المصاقبة، وما معظم
الحروب التي تملأ التاريخ إلا ناشئًا عن تلك الاختلافات، وما حروب الفتوح والحروب
الدينية وحروب الأسر المالكة في الحقيقة إلا حروب عروق على الدوام.
لا ينتهي جمعٌ من الناس مؤلف من أصول مختلفة إلى تكوين عرق؛ أي إلى حيازة _
روح عامة، إلا إذا اكتسب، بتوالد مكرر في عدة قرون وبحياة متشابهة في بيئات
متماثلة، مشاعر واحدة، ومصالح واحدة، ومعتقدات واحدة.
لا تجدُ لدى الأمم المتمدنة عروقًا طبيعية، بل تجد عندها عروقًا مصنوعة نشأت عن _
أحوال تاريخية.