لا يؤثِّر تغيُّر البيئات تأثيرًا عميقًا في غير العروق الجديدة؛ أي عند اختلاط العروق _
القديمة التي أسفر توالدها عن انحلال أخلاقها الموروثة، فالوارثة وحدها هي التي
تقدر على مكافحة الوراثة، ولا يؤدي تغيُّر البيئة إلى غير التخريب في العروق التي لم
يَقْضِ التوالد على ثبات أخلاقها، وأهون على العرق القديم أن يهلك من أن يخضع
لتحولات تستلزمها ملاءمة بيئات جديدة.
تكون حيازة الأمة لروح جامعة متينة التركيب آية بلوغ هذه الأمة أوج عظمتها، _
ويكون انحلال هذه الروح نذير انحطاطها، ويكون دخول عناصرأجنبية في الأمة من
أصح الوسائل لبلوغ مثل هذا الانحلال.
تخضع الأنواع النفسية لعوامل الزمن كما تخضع الأنواع التشريحية؛ فهي تهرم _
وتموت مثلها، وقد تزول تلك الأنواع بسرعة مع أنها تتكون ببطء كبير على الدوام،
فيكفي أن يقع اضطراب عميق في قيام أعضائها حتى تُعانيَ تحولاتٍ راجعةً مؤديةً
إلى هلاك سريع في الغالب، فالأممُ، وإن اقتضى اكتسابها لمزاج نفسيٍّ قرونًا طويلة،
تفقِد هذا المزاج في وقت قصير أحيانًا.
يجب أن توضع المبادئ بجانب الأخلاق كعامل رئيس في تطور الحضارة، ولا تؤثِّر _
هذه المبادئ إلا بعد أن تتحول بتطور بطيء إلى مشاعرَ فتصبح جزءًا من الأخلاق،
فهنالك تتفلت من تأثير الجَدَل، ولا تزول إلا بعد زمن طويل، وتُشْتَقُّ كل حضارة من
عدد قليل من المبادئ الأساسية التي يُجْمَعُ عليها.
تجدُ المبادئ الدينية بين أهمِّ المبادئ التي تُوَجِّه الحضارة، وعن مختلف المعتقدات _
الدينية نشأ، على وجه مباشر، معظم الحوادث التاريخية، وقد اقترن تاريخ البشرية
بتاريخ آلهتها، وكان ظهور آلهة جديدة دليلًا على فَجْرِ حضارة جديدة في كل وقت،
والآلهة - وهي أبناء أحلامنا - تبلغ من السلطان ما يؤدِّي معه تغييرُ اسمِها وحدَه
إلى قَلْبِ العالَم من فَوْره رأسًا على عَقِبٍ.