فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 86

الفصل الثالث

شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم

عندما بحثنا في مراتب العروق وتفاوتها رأينا أن أعظم فارق بين الأوربيين والشرقيين

هو ما لدى الأوربيين من صفوة رجال عالية، ولنحاولْ أن نبيِّن في بعض السطور حدود

شأن هذه الصفوة.

يتألَّف من كتيبة أفاضل الرجال الصغيرة التي تشتمل عليها الأمة المتمدنة، والتي

تكفي إزالتها في كل جيل لخفض مستوى هذه الأمة خفضًا عظيمًا - تَجَسُّدُ قُوَى

العرق، وإلى هذه الكتيبة يرجع الفضل فيما يتم من التقدم للعلوم والفنون والصناعة؛

أي لجميع فروع الحضارة.

ويُثبت التاريخ أن كل تقدُّم مدين لتلك الصفوة القليلة العدد، والجماعة مع

استفادتها من ذلك التقدم لا تحب أن يُجَاوَز مستواها أبدًا، والجماعة هي التي كان

ضحاياها من عظماء المفكرين والمخترعين في الغالب، ومع ذلك ترى أن ازدهار جميع

الأجيال وجميع ماضي العرق وقع بفعل تلك العبقريات الرائعة التي هي أزهار عجيبة

لهما. ومن أصحاب العبقرية يتكوَّن مجد الأمة الحقيقي، ولكل فرد، مهما كان وضيعًا،

أن يباهي بهم، ولا يظهر ذوو العبقرية اتفاقًا ولا بمعجزة، بل يمثِّلون تاجَ ماضٍ

طويل، وهم خلاصة عظمة عصرهم وعرقهم، وكل مساعدةٍ على تفتُّحهم وارتقائهم

تعني مساعدة على التقدم الذي ينتفع به جميع البشر، وإذا ما تركنا أحلام المساواة

العامة تُعمي بصائرنا كنا أول ضحايا هذه المساواة. والمساواة لا تكون إلا في الانحطاط،

والمساواة حلمُ ذوي المدارك الهزيلة الغامض الثقيل، والمساواة لم تتحقق في غير عصور

الهمجية. ويجب، لكي تسود المساواة العالم، أن يُخفَضبالتدريج كل ما فيه قيمة العرق

إلى أدنى مستوى في هذا العرق.

ولكن شأن ذوي النفوس العالية من الرجال إذا كان عاملًا عظيمًا في تقدُّم الحضارة

فإنه ليس كما يقال عنه على العموم مع ذلك، فتأثيرهم يقوم - كما ذكرت - على

كونهم خلاصة مجهودات العرق، وترى اكتشافاتهم على الدوام نتيجة سلسلة طويلة من

الاكتشافات السابقة، وتراهم يَشِيدون بناء من حجارة نحتها غيرهم رويدًا رويدًا. وقد

اعتقد المؤرخون - والمؤرخون مُبَسِّطُون إلى الغاية إجمالًا - أنهم قادرون على قرن كل

اختراع باسم رجل، مع أن كل واحد من الاختراعات العظيمة التي حولت الدنيا، كالطباعة

والبارود والبخار والكهرباء، ليس وليد دماغ واحد، ونحن حين ندرس تكوين مثل هذه

الاكتشافات نبصر أنها نشأت، دائمًا، عن سلسلة طويلة من الجهود التحضيرية، والحق

أن الاختراع النهائي ليس إلا تتويجًا لما تَقَدَّمه؛ ومن ذلك أن ملاحظة غَلِيلو لِتَساوِي المدة

في تموُّجات المصباح المعلَّق مهَّد السبيل لاختراع مقياس الزمان الدقيق (كُرونومتر) الذي

أسفر لدى الملَّاح عن إمكان اهتدائه إلى طريقه في البحر المحيط، ومن ذلك أن نشأ بارود

الِمدفع عن تحول النار اليونانية بالتدريج، ومن ذلك أن الآلة البخارية تمثِّل مجموعة

اكتشافاتٍ تَطَلَّبَ كل واحد منها أعمالًا عظيمة، وما كان ليوناني متصف بعبقرية تفوق

عبقرية أرشميدس مئة مرة أن يكتشف القاطرة لما لا يكون لديه ما يساعده على تمثُّلها،

وهو لكي ينتهي إلى صنعها لا بد له من أن ينتظر تحقيق الميكانيكا لمبتكراتٍ تقتضي

جهود ألفي سنة.

وليس شأن أعاظم رجال الدولة السياسي أقل كثيرًا من شأن أكابر المخترعين في

استقلاله الظاهر عن الماضي، وقد أعشى ما لمحرِّكي الجماعات الأقوياء، الذين يحوِّلون

كيان الأمم السياسي، من سناء صارخ، أبصار بعض الكتَّاب ككوسان وكارلَيل وغيرهم،

فأراد هؤلاء أن يجعلوا من أولئك أنصاف آلهة تُغيِّر بعبقريتها مصير الأمم، ومما لا ريب

فيه أنه يمكن أولئك أن يكدروا صفو تطور أحد المجتمعات، غير أنهم لم يُعْطَوْا قدرة

على تغيير مجراه، وما كان كروموِيل أو ناپليون ليستطيع بعبقريته أن يقوم بمثل هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت