العمل، وما كان نفوذ أعاظم رجال السياسة ليدوم إلا عندما يعرفون كقيصر ورِيشِلْيُو
أن يوجِّهوا جهودهم إلى ما يلائم مقتضيات الوقت، وما كان سبب فوزهم الحقيقي إلا
سابقًا لهم على العموم، ولو ظهر قيصر قبل زمانه بقرنين أو ثلاثة قرون ما استطاع
أن يُخْضِعَ الجمهورية الرومانية لحكم سيد واحد، ولو ظهر رِيشِلْيُو قبل زمانه بقرنين
أو ثلاثة قرون لعجز عن تحقيق الوحدة الفرنسية، وفي ميدان السياسة يبصر رجال
السياسة الحقيقيون ما سيولد من احتياجاتٍ وما أعده الماضيمن الحوادث فيَهْدُون إلى
الطريق التي يجب أن تُسلك، ومن المحتمل أن كان الناس لا يرون تلك الطريق، بيد أن
مقادير التطور قضت بحفز الأمم إلى مصايرها التي تولَّى أولئك العباقرة أمرها حينًا من
الزمن، وأولئك العباقرة هم، كأكابر المخترعين، جماع نتائج عمل سابق طويل.
ومع ذلك يجب ألا يُذْهَب إلى ما هو أبعد مما تقدم في تلك المقايسات بين صنوف
عظماء الرجال؛ فالمخترعون، وإن كانوا يمثلون دورًا مهمٍّا في تطور الحضارة المقبل،
لا يملثِّون أي دورٍ مباشرٍ في تاريخ الأمم السياسي، ولم يكن لدى أكابر الرجال الذين
تم بفضلهم أهم الاكتشافات المهمة، المترجحة بين المحراث والبرق والمؤلَّفِ منها تراث
البشرية العام، من الصفات الخُلقية ما يقيمون به ديانةً أو يدوِّخون به دولة؛ أي ما
يغيِّرون به وجه التاريخ تغييرًا واضحًا، والمفكِّر يبصر كثيرًا ما في المعضلات من تعقيد
فلا يكون ذا اعتقاد عميق، والمفكر لا يبدو له غير القليل من الأهداف السياسية التي
تستحق شيئًا من جهوده فلا يتتبع أي واحد منها، والمخترعون يستطيعون أن يغيِّروا
الحضارة مع الزمن، والمتعصبون وحدهم، وهم من ذوي الذكاء المحدود، ولكن مع أخلاقٍ
فعَّالة وشهواتٍ قوية، هم الذين يقدرون على تأسيس الأديان وإقامة الدول وقلب العالم،
وقد لَبَّت ملايين البشرنداء بطرسَالناسكِ فانقضَّت على الشرق، وأسفرت كلمات متهوس
كمحمد عن خلق قوة كَفَت للانتصار على العالم اليوناني الروماني القديم، وألقى راهبٌ
غامضُالأمرِ كلوثر أوربة في النار والدم، ولا يكون لصوت كصوت غليلو أو نيوتن سوى
صدى ضعيفٍ بين الجماعات، فالحق أن عباقرة المخترعين يُعَجِّلون سير الحضارة، وأن
المتعصبين والمتهوسين هم الذين يخلقون التاريخ.
ومن أي شيء يتألَّف التاريخ كما هو مسطور في الكتب إن لم يكن قصة طويلة
لمنازعاتٍ قام بها الإنسان لابتداع مثلٍ عالٍ وعبادته ثم هدمه؟ وهل تجد أمام العلم
الصِّرْفِ لمثل هذه المُثل العليا قيمة أعظم من السراب الباطل الذي يحدثه الضياء فوق
الرمال المتنقلة في الصحراء؟
ومع ذلك ترى أن المتهوسين من مُوجدي مثل هذا السراب أو ناشريه هم الذين
حولوا العالم تحويلًا عميقًا، وهم لا يزالون يَحْنُون من أعماق قبورهم روح العروق
تحت نير أفكارهم ويؤثِّرون في أخلاق الأمم ومصيرها، ولا نجهل أهمية شأنهم، ولكن لا
يذهب عن بالنا أنهم لم يُوَفَّقُوا في إنجاز عملهم إلا لأنهم تقمصوا مَثَلَ عرقهم وزمنهم
الأعلى وعبَّروا عنه من حيث لا يشعرون، والأمة لا تقاد إلا بتقمصأحلامها، ومن ذلك أن
موسى تمثَّل رغبة اليهود في الخلاص التي كانت تنطوي عليها جباههم المستعبدة أيام
كانت تمزقها سياط المصريين، ومن ذلك أن بُدَّهة (بوذا) وعيسى عرفا أن يستمعا لما في
زمانهم من بؤس لا حد له وأن يعبِّرا بالدين عنضرورة الإحسان والرحمة التي أخذت
تلوح في العالم أيام الألم العام، ومن ذلك أن حقَّق محمد وحدةَ أمته السياسية بما بشَّر
به من الوحدة الدينية بعد أن كانت أمته تلك منقسمة إلى ألوف من القبائل المتناجزة،
ومن ذلك أن ناپليون تقمص المثل الأعلى في المجد الحربي والزهو والدعاية الثورية؛ أي
تقمص مميزات ذلك الشعب الذي طاف به في أوربة مدة خمس عشرة سنة؛ سعيًا وراء
أشد المغامرات حماقة.
إذن، ترى أن الذي يقود العالم هو المبادئ، ومن ثم أولئك الذين يتقمصونها
وينشرونها، والنصر يُكتب لتلك المبادئ عندما تجد من المتهوسين والمؤمنين من يُصْغُون
إليها، ولا كبير أهمية في أن تكون تلك المبادئ صحيحة أو فاسدة، فالتاريخ قد أثبت لنا
أن أشد المبادئ وهمًا هي التي فتنت الناس أحسن من سواها، على الدوام، فمثَّلت أهم
الأدوار، وباسم أكثر الأوهام خَدْعًا قُلِبَ العالم وانهارت حتى الآن حضاراتٌ كان يلوح